محمد بن جرير الطبري
31
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
تنطق فإن كبيرهم هو الذي كسرهم . وهذا قول خلاف ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلها في الله ، قوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا وقوله : إِنِّي سَقِيمٌ وقوله لسارة : هي أختي . وغير مستحيل أن يكون الله تعالى ذكره أذن لخليله في ذلك ، ليقرع قومه به ، ويحتج به عليهم ، وتعرفهم موضع خطئهم ، وسوء نظرهم لأنفسهم ، كما قال مؤذن يوسف لإخوته : أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ولم يكونوا سرقوا شيئا . القول في تأويل قوله تعالى : فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ يقول تعالى ذكره : فذكروا حين قال لهم إبراهيم صلوات الله عليه : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ في أنفسهم ، ورجعوا إلى عقولهم ، ونظر بعضهم إلى بعض ، فقالوا : إنكم معشر القوم الظالمون هذا الرجل في مسألتكم إياه وقيلكم له من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم ؟ وهذه آلهتكم التي فعل بها ما فعل حاضرتكم فاسألوها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ قال : ارعووا ورجعوا عنه يعني عن إبراهيم ، فيما ادعوا عليه من كسرهن إلى أنفسهم فيما بينهم ، فقالوا : لقد ظلمناه ، وما نراه إلا كما قال . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ قال : نظر بعضهم إلى بعض فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ . وقوله : ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ يقول جل ثناؤه : ثم غلبوا في الحجة ، فاحتجوا على إبراهيم بما هو حجة لإبراهيم عليهم ، فقالوا : لقد علمت ما هؤلاء الأصنام ينطقون . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثم قالوا : يعني قوم إبراهيم ، وعرفوا أنها ، يعني آلهتهم لا تضر ولا تنفع ولا تبطش : لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ أي لا تتكلم فتخبرنا من صنع هذا بها ، وما تبطش بالأيدي فنصدقك ، يقول الله : ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ في الحجة عليهم لإبراهيم حين جادلهم ، فقال عند ذلك إبراهيم حين ظهرت الحجة عليهم بقولهم : لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قال الله : ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ أدركت الناس حيرة سوء . وقال آخرون : معنى ذلك : ثم نكسوا في الفتنة . ذكر من قال ذلك : حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ قال : نكسوا في الفتنة على رؤوسهم ، فقالوا : لقد علمت ما هؤلاء ينطقون . وقال بعض أهل العربية : معنى ذلك : ثم رجعوا عما عرفوا من حجة إبراهيم ، فقالوا : لقد علمت ما هؤلاء ينطقون . وإنما اخترنا القول الذي قلنا في معنى ذلك ، لأن نكس الشيء على رأسه : قلبه على رأسه وتصيير أعلاه أسفله ؛ ومعلوم أن القوم لم يقلبوا على رؤوس أنفسهم ، وأنهم إنما نكست حجتهم ، فأقيم الخبر عنهم مقام الخبر عن حجتهم . وإذ كان ذلك كذلك ، فنكس الحجة لا شك إنما هو احتجاج المحتج على خصمه بما هو حجة لخصمه . وأما قول السدي : ثم نكسوا في الفتنة ، فإنهم لم يكونوا خرجوا من الفتنة قبل ذلك فنكسوا فيها . وأما قول من قال من أهل العربية ما ذكرنا عنه ، فقول بعيد من الفهوم ؛ لأنهم لو كانوا رجعوا عما عرفوا