محمد بن جرير الطبري
32
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
من حجة إبراهيم ، ما احتجوا عليه بما هو حجة له ، بل كانوا يقولون له : لا تسألهم ، ولكن نسألك فأخبرنا من فعل ذلك بها ، وقد سمعنا أنك فعلت ذلك ؛ ولكن صدقوا القول فقالوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ وليس ذلك رجوعا عما كانوا عرفوا ، بل هو إقرار به . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ يقول تعالى ذكره : قال إبراهيم لقومه : أفتعبدون أيها القوم مالا ينفعكم شيئا ولا يضركم ، وأنتم قد علمتم أنها لم تمنع نفسها من أرادها بسوء ، ولا هي تقدر أن تنطق إن سئلت عمن يأتيها بسوء فتخبر به ، أفلا تستحيون من عبادة ما كان هكذا ؟ كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ الآية ، يقول يرحمه الله : ألا ترون أنهم لم يدفعوا عن أنفسهم الضر الذي أصابهم ، وأنهم لا ينطقون فيخبرونكم من صنع ذلك بهم ، فكيف ينفعونكم أو يضرون وقوله : أُفٍّ لَكُمْ يقول : قبحا لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله ، أفلا تعقلون قبح ما تفعلون من عبادتكم ما لا يضر ولا ينفع ، فتتركوا عبادته ، وتعبدوا الله الذي فطر السماوات والأرض ، والذي بيده النفع والضر ؟ القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ . . . الْأَخْسَرِينَ يقول تعالى ذكره : قال بعض قوم إبراهيم لبعض : حرقوا إبراهيم بالنار وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ يقول : إن كنتم ناصريها ولم تريدوا ترك عبادتها . وقيل : إن الذي قال ذلك رجل من أكراد فارس . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن ليث ، عن مجاهد ، في قوله : حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ قال : قالها رجل من أعراب فارس ، يعني الأكراد . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني وهب بن سليمان ، عن شعيب الجبئي ، قال : إن الذي قال حرقوه " هيزن " فخسف الله به الأرض ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : أجمع نمرود وقومه في إبراهيم فقالوا : حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ أي لا تنصروها منه إلا بالتحريق بالنار إن كنتم ناصريها . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني محمد بن إسحاق ، عن الحسن بن دينار ، عن ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد ، قال : تلوت هذه الآية على عبد الله بن عمر ، فقال : أتدري يا مجاهد من الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار ؟ قال : قلت لا . قال : رجل من أعراب فارس . قلت : يا أبا عبد الرحمن ، أو هل للفرس أعراب ؟ قال : نعم الكرد هم أعراب فارس ، فرجل منهم هو الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار . وقوله : قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ في الكلام متروك اجتزئ بدلالة ما ذكر عليه منه ، وهو : فأوقدوا له نارا ليحرقوه ثم ألقوه فيها ، فقلنا للنار : يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وذكر أنهم لما أرادوا إحراقه بنوا له بنيانا ؛ كما : حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً