محمد بن جرير الطبري
30
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
سمعوه يقول وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ سمعنا فتى يذكرهم بعيب يقال له إبراهيم . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ قال ابن جريج : يذكرهم يعيبهم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قوله : سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ سمعناه يسبها ويعيبها ويستهزئ بها ، لم نسمع أحدا يقول ذلك غيره ، وهو الذي نظن صنع هذا بها . وقوله : فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ يقول تعالى ذكره : قال قوم إبراهيم بعضهم لبعض : فأتوا بالذي فعل هذا بآلهتنا الذي سمعتموه يذكرها بعيب ويسبها ويذمها على أعين الناس ؛ فقيل : معنى ذلك : على رؤس الناس ، وقال بعضهم : معناه : بأعين الناس ومرأى منهم ، وقالوا : إنما أريد بذلك أظهروا الذي فعل ذلك للناس كما تقول العرب إذا ظهر الأمر وشهر : كان ذلك على أعين الناس ، يراد به كان بأيدي الناس . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ فقال بعضهم : لعل الناس يشهدون عليه أنه الذي فعل ذلك ، فتكون شهادتهم عليه حجة لنا عليه . وقالوا إنما فعلوا ذلك لأنهم كرهوا أن يأخذوه بغير بينة . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ عليه أنه فعل ذلك . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قال : كرهوا أن يأخذوه بغير بينة . وقال آخرون : بل معنى ذلك : لعلهم يشهدون ما يعاقبونه به فيعاينونه ويرونه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : بلغ ما فعل إبراهيم بآلهة قومه نمرود ، وأشراف قومه ، فقالوا : فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ أي ما يصنع به . وأظهر معنى ذلك أنهم قالوا : فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون عقوبتنا إياه ، لأنه لو أريد بذلك ليشهدوا عليه بفعله كان يقال : انظروا من شهده يفعل ذلك ، ولم يقل : أحضروه بمجمع من الناس . القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ يقول تعالى ذكره : فأتوا بإبراهيم ، فلما أتوا به قالوا له : أأنت فعلت هذا بآلهتنا من الكسر بها يا إبراهيم ؟ . فأجابهم إبراهيم : بل فعله كبيرهم هذا وعظيمهم ، فاسألوا الآلهة من فعل بها ذلك وكسرها إن كانت تنطق أو تعبر عن نفسها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : لما أتي به واجتمع له قومه عند ملكهم نمرود قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ غضب من أن يعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها ، فكسرهن . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا الآية ، وهي هذه الخصلة التي كادهم بها . وقد زعم بعض من لا يصدق بالآثار ولا يقبل من الأخبار إلا ما استفاض به النقل من العوام ، أن معنى قوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا إنما هو : بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم ، أي إن كانت الآلهة المكسورة