محمد بن جرير الطبري
7
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الأفعال التي استنكرتها مني ، تأويل يقول : ما تؤول إليه وترجع الأفعال التي لم تسطع على ترك مسألتك إياي عنها ، وإنكارك لها صبرا . وهذه القصص التي أخبر الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بها عن موسى وصاحبه ، تأديب منه له ، وتقدم إليه بترك الاستعجال بعقوبة المشركين الذين كذبوه واستهزؤوا به وبكتابه ، وإعلام منه له أن أفعاله بهم وإن جرت فيما ترى الأعين بما قد يجري مثله أحيانا لأوليائه ، فإن تأويله صائر بهم إلى أحوال أعدائه فيها ، كما كانت أفعال صاحب موسى واقعة بخلاف الصحة في الظاهر عند موسى ، إذ لم يكن عالما بعواقبها ، وهي ماضية على الصحة في الحقيقة وآئلة إلى الصواب في العاقبة ، ينبئ عن صحة ذلك قوله : وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا ثم عقب ذلك بقصة موسى وصاحبه ، يعلم نبيه أن تركه جل جلاله تعجيل العذاب لهؤلاء المشركين ، بغير نظر منه لهم ، وإن كان ذلك فيما يحسب من لا علم له بما الله مدبر فيهم ، نظرا منه لهم ، لأن تأويل ذلك صائر إلى هلاكهم وبوارهم بالسيف في الدنيا واستحقاقهم من الله في الآخرة الخزي الدائم . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ويسألك يا محمد هؤلاء المشركون عن ذي القرنين ما كان شأنه ، وما كانت قصته ، فقل لهم : سأتلو عليكم من خبره ذكرا يقول : سأقص عليكم منه خبرا . وقد قيل : إن الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر ذي القرنين ، كانوا قوما من أهل الكتاب . فأما الخبر بأن الذين سألوه عن ذلك كانوا مشركي قومه فقد ذكرناه قبل . وأما الخبر بأن الذين سألوه ، كانوا قوما من أهل الكتاب . فحدثنا به أبو كريب ، قال : ثنا زيد بن حباب عن ابن لهيعة ، قال : ثني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، عن شيخين من نجيب ، قال : أحدهما لصاحبه : انطلق بنا إلى عقبة بن عامر نتحدث ، قالا : فأتياه فقالا : جئنا لتحدثنا ، فقال : كنت يوما أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجت من عنده ، فلقيني قوم من أهل الكتاب ، فقالوا : نريد أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستأذن لنا عليه ، فدخلت عليه ، فأخبرته ، فقال : " مالي ومالهم ، مالي علم إلا ما علمني الله " ، ثم قال : " اسكب لي ماء " ، فتوضأ ثم صلى ، قال : فما فرغ حتى عرفت السرور في وجهه ، ثم قال : " أدخلهم علي ، ومن رأيت من أصحابي " فدخلوا فقاموا بين يديه ، فقال : " إن شئتم سألتم فأخبرتكم عما تجدونه في كتابكم مكتوبا ، وإن شئتم أخبرتكم " ، قالوا : بلى أخبرنا ، قال : " جئتم تسألوني عن ذي القرنين ، وما تجدونه في كتابكم : كان شابا من الروم ، فجاء فبنى مدينة مصر الإسكندرية ؛ فلما فرغ جاءه ملك فعلا به في السماء ، فقال له ما ترى ؟ فقال : أرى مدينتي ومدائن ، ثم علا به ، فقال : ما ترى ؟ فقال : أرى مدينتي ، ثم علا به فقال : ما ترى ؟ قال : أرى الأرض ، قال : فهذا اليم محيط بالدنيا ، إن الله بعثني إليك تعلم الجاهل ، وتثبت العالم ، فأتى به السد ، وهو جبلان لبنان يزلق عنهما كل شيء ، ثم مضى به حتى جاوز يأجوج ومأجوج ، ثم مضى به إلى أمة أخرى ، وجوههم وجوه