محمد بن جرير الطبري
47
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عمن لا يتهم ، عن وهب بن منبه قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ولا ترى إلا أنه رجل من بني آدم . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو بكر ، عن عاصم ، قال : قال ابن زيد : وذكر قصص مريم فقال : قد علمت أن التقي ذو نهية حين قالت : إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ . يقول تعالى ذكره : فقال لها روحنا : إنما أنا رسول ربك يا مريم أرسلني إليك لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق غير أبي عمرو : لِأَهَبَ لَكِ بمعنى : إنما أنا رسول ربك : يقول : أرسلني إليك لأهب لك غُلاماً زَكِيًّا على الحكاية . وقرأ ذلك أبو عمرو بن العلاء : " ليهب لك غلاما زكيا " بمعنى : إنما أنا رسول ربك أرسلني إليك ليهب الله لك غلاما زكيا . قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك ، ما عليه قراء الأمصار ، وهو لِأَهَبَ لَكِ بالألف دون الياء ، لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمين ، وعليه قراءة قديمهم وحديثهم ، غير أبي عمرو ، وغير جائز خلافهم فيما أجمعوا عليه ، ولا سائغ لأحد خلاف مصاحفهم ، والغلام الزكي : هو الطاهر من الذنوب وكذلك تقول العرب : غلام ذاك وزكي ، وعال وعلي . القول في تأويل قوله تعالى : قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قالَ كَذلِكِ يقول تعالى ذكره : قالت مريم لجبريل : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ من أي وجه يكون لي غلام ؟ أمن قبل زوج أتزوج ، فأرزقه منه ، أم يبتدئ الله في خلقه ابتداء وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ من ولد آدم بنكاح حلال وَلَمْ أَكُ إذ لم يمسسني منهم أحد على وجه الحلال بَغِيًّا بغيت ففعلت ذلك من الوجه الحرام ، فحملته من زنا ، كما : حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا يقول : زانية . قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ يقول تعالى ذكره : قال لها جبريل : هكذا الأمر كما تصفين ، من أنك لم يمسسك بشر ولم تكوني بغيا ، ولكن ربك قال : هو علي هين : أي خلق الغلام الذي قلت أن أهبه لك علي هين لا يتعذر علي خلقه وهبته لك من غير فحل يفتحلك . وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ يقول : وكي نجعل الغلام الذي نهبه لك علامة وحجة على خلقي أهبه لك . وَرَحْمَةً مِنَّا يقول : ورحمة منا لك ، ولمن آمن به وصدقه أخلقه منك وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا يقول : وكان خلقه منك أمرا قد قضاه الله ، ومضى في حكمه وسابق علمه أنه كائن منك . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني من لا أتهم ، عن وهب بن منبه وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا أي أن الله قد عزم على ذلك ، فليس منه بد . القول في تأويل قوله تعالى : فَحَمَلَتْهُ . . . هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا وفي هذا الكلام متروك ترك ذكره استغناء بدلالة ما ذكر منه عنه فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا بغلام فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا وبذلك جاء تأويل أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سهل ، قال : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، قال : ثني عبد الصمد بن معقل ابن أخي وهب بن منبه ، قال : سمعت وهبا قال : لما أرسل الله جبريل إلى مريم تمثل لها بشرا سويا