محمد بن جرير الطبري
48
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فقالت له : إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ثم نفخ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم فاشتملت . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عمن لا يتهم ، عن وهب بن منبه اليماني ، قال : لما قال ذلك ، يعني لما قال جبريل قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ الآية استسلمت لأمر الله ، فنفخ في جيبها ثم انصرف عنها . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : طرحت عليها جلبابها لما قال جبريل ذلك لها ، فأخذ جبريل بكميها ، فنفخ في جيب درعها ، وكان مشقوقا من قدامها ، فدخلت النفخة صدرها ، فحملت ، فأتتها أختها امرأة زكريا ليلة تزورها ؛ فلما فتحت لها الباب التزمتها ، فقالت امرأة زكريا : يا مريم أشعرت أني حبلى ، قالت مريم : أشعرت أيضا أني حبلى ، قالت امرأة زكريا : إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك ، فذلك قوله مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : يقولون : إنه إنما نفخ في جيب درعها وكمها . وقوله : فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا يقول : فاعتزلت بالذي حملته ، وهو عيسى ، وتنحت به عن الناس مَكاناً قَصِيًّا يقول : مكانا نائيا قاصيا عن الناس ، يقال : هو بمكان قاص ، وقصي بمعنى واحد ، كما قال الراجز : لتقعدن مقعد القصي * مني ذي القاذورة المقلي يقال منه : قصا المكان يقصو قصوا : إذا تباعد ، وأقصيت الشيء : إذا أبعدته وأخرته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا قال : مكانا نائيا . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : مَكاناً قَصِيًّا قال : قاصيا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : لما بلغ أن تضع مريم ، خرجت إلى جانب المحراب الشرقي منه فأتت أقصاه . وقوله : فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ يقول تعالى ذكره : فجاء بها المخاض إلى جذع النخلة ، ثم قيل : لما أسقطت الباء منه أجاءها ، كما يقال : أتيتك بزيد ، فإذا حذفت الباء قيل آتيتك زيدا ، كما قال جل ثناؤه : آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ والمعنى : ائتوني بزبر الحديد ، ولكن الألف مدت لما حذفت الباء ، وكما قالوا : خرجت به وأخرجته ، وذهبت به وأذهبته ، وإنما هو أفعل من المجيء ، كما يقال : جاء هو ، وأجأته أنا : أي جئت به ، ومثل من أمثال العرب : وشر ما أجاءني إلى مخة عرقوب " ، وأشاء ويقال : شر ما يجيئك ويشيئك إلى ذلك ؛ ومنه قول زهير : وجار سار معتمدا إليكم * أجاءته المخافة والرجاء يعنى : جاء به ، وأجاءه إلينا وأشاءك : من لغة تميم ، وأجاءك من لغة أهل العالية ، وإنما تأول من تأول ذلك