محمد بن جرير الطبري

28

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ويلك أهل حروراء منهم . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا محمد بن خالد ابن عثمة ، قال : ثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله ، قال : ثنى أبو الحويرث ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، قال : قال ابن الكواء لعلي بن أبي طالب : ما الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ؟ قال : أنت وأصحابك . والصواب من القول في ذلك عندنا ، أن يقال : إن الله عز وجل عنى بقوله : هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا كل عامل عملا يحسبه فيه مصيبا ، وأنه لله بفعله ذلك مطيع مرض ، وهو بفعله ذلك لله مسخط ، وعن طريق أهل الإيمان به جائر كالرهابنة والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم ، وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله كفرة ، من أهل أي دين كانوا . وقد اختلف أهل العربية في وجه نصب قوله أَعْمالًا فكان بعض نحويي البصرة يقول : نصب ذلك لأنه لما أدخل الألف واللام والنون في الأخسرين لم يوصل إلى الإضافة ، وكانت الأعمال من الأخسرين فلذلك نصب . وقال غيره : هذا باب الأفعل والفعلي ، مثل الأفضل والفضلى ، والأخسر والخسرى ، ولا تدخل فيه الواو ، ولا يكون فيه مفسر ، لأنه قد انفصل بمن هو كقوله الأفضل والفضلى ، وإذا جاء معه مفسر كان للأول والآخر ، وقال : ألا ترى أنك تقول : مررت برجل حسن وجها ، فيكون الحسن للرجل والوجه ، وكذلك كبير عقلا ، وما أشبهه قال : وإنما جاز في الأخسرين ، لأنه رده إلى الأفعل والأفعلة . قال : وسمعت العرب تقول : الأولات دخولا ، والآخرات خروجا ، فصار للأول والثاني كسائر الباب قال : وعلى هذا يقاس . وقوله : الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يقول : هم الذين لم يكن عملهم الذي عملوه في حياتهم الدنيا على هدى واستقامة ، بل كان على جور وضلالة ، وذلك أنهم عملوا بغير ما أمرهم الله به بل على كفر منهم به ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً يقول : وهم يظنون أنهم بفعلهم ذلك لله مطيعون ، وفيما ندب عباده إليه مجتهدون ، وهذا من أدل الدلائل على خطأ قول من زعم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته ، وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية ، أن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالا ، وقد كانوا يحسبون أنهم محسنون في صنعهم ذلك ، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآيات ربهم . ولو كان القول كما قال الذي زعموا أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يعلم ، لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر أنه عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعه ، كانوا مثابين مأجورين عليها ، ولكن القول بخلاف ما قالوا ، فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم بالله كفرة ، وأن أعمالهم حابطة . وعنى بقوله : أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً عملا ، والصنع والصنعة والصنيع واحد ، يقال : فرس صنيع بمعنى مصنوع . القول في تأويل قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين وصفنا صفتهم ، الأخسرون أعمالا ، الذين كفروا بحجج ربهم وأدلته ، وأنكروا لقاءه فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ يقول : فبطلت أعمالهم ،