محمد بن جرير الطبري
29
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فلم يكن لها ثواب ينفع أصحابها في الآخرة ، بل لهم منها عذاب وخزي طويل فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً يقول تعالى ذكره : فلا نجعل لهم ثقلا . وإنما عنى بذلك : أنهم لا تثقل بهم موازينهم ، لأن الموازين إنما تثقل بالأعمال الصالحة ، وليس لهؤلاء شيء من الأعمال الصالحة ، فتثقل به موازينهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن شمر ، عن أبي يحيى عن كعب ، قال : يؤتى يوم القيامة برجل عظيم طويل ، فلا يزن عند الله جناح بعوضة ، اقرأوا : فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن الصلت ، قال : ثنا ابن أبي الزناد ، عن صالح مولى التوأمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : " يؤتي بالأكول الشروب الطويل ، فيوزن فلا يزن جناح بعوضة " ثم قرأ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً يقول تعالى ذكره : أولئك ثوابهم جهنم بكفرهم بالله ، واتخاذهم آيات كتابه ، وحجج رسله سخريا ، واستهزائهم برسله . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ يقول تعالى ذكره : إن الذين صدقوا بالله ورسوله ، وأقروا بتوحيد الله وما أنزل من كتبه وعملوا بطاعته ، كانت لهم بساتين الفردوس ، والفردوس : معظم الجنة ، كما قال أمية : كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة * فيها الفراديس والفومان والبصل واختلف أهل التأويل في معنى الفردوس ؛ فقال بعضهم : عنى به أفضل الجنة وأوسطها . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثني ، قال : ثنا عباس بن الوليد ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة ، قال : الفردوس : ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها . حدثنا أحمد بن أبي سريج الرازي ، قال : ثنا الهيثم أبو بشر ، قال : أخبرنا الفرج بن فضالة ، عن لقمان ، عن عامر ، قال : سئل أبو أسامة عن الفردوس ، فقال : هي سرة الجنة . حدثنا أحمد بن أبي سريج ، قال : ثنا حماد بن عمرو النصيبي ، عن أبي علي ، عن كعب ، قال : ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس ، وفيها الآمرون بالمعروف ، والناهون عن المنكر . وقال آخرون : هو البستان بالرومية . ذكر من قال ذلك : حدثني علي بن سهل الرملي ، قال : ثنا حجاج عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير ، عن مجاهد ، قال : الفردوس : بستان بالرومية . حدثنا العباس بن محمد ، قال : ثنا حجاج ، قال : ابن جريج : أخبرني عبد الله عن مجاهد ، مثله . وقال آخرون : هو البستان الذي فيه الأعناب . ذكر من قال ذلك : حدثنا عباس بن محمد ، قال : ثنا محمد بن عبيد ، عن الأعمش ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث ، عن كعب ، قال : جنات الفردوس التي فيها الأعناب . والصواب من القول في ذلك ، ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وذلك ما : حدثنا به أحمد بن أبي سريج ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا همام بن يحيى ، قال : ثنا زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن عبادة بن الصامت ،