محمد بن جرير الطبري

66

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لا تفقهون تسبيح ما عدا تسبيح من كان يسبح بمثل ألسنتكم إِنَّهُ كانَ حَلِيماً يقول : إن الله كان حليما لا يعجل على خلقه ، الذين يخالفون أمره ، ويكفرون به ، ولولا ذلك جل هؤلاء المشركين الذين يدعون معه الآلهة والأنداد بالعقوبة . غَفُوراً يقول : ساترا ذنوبهم ، إذا هم تابوا منها بالعفو منه لهم ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إِنَّهُ كانَ حَلِيماً عن خلقه ، فلا يعجل كعجلة بعضهم على بعض غَفُوراً إذا تابوا . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً يقول تعالى ذكره : وإذا قرأت يا محمد القرآن على هؤلاء المشركين الذين لا يصدقون بالبعث ، ولا يقرون بالثواب والعقاب ، جعلنا بينك وبينهم حجابا ، يحجب قلوبهم عن أن يفهموا ما تقروه عليهم ، فينتفعوا به ، عقوبة منا لهم على كفرهم . والحجاب هاهنا : هو الساتر ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً الحجاب المستور أكنة على قلوبهم أن يفقهوه وأن ينتفعوا به ، أطاعوا الشيطان فاستحوذ عليهم . حدثنا محمد ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة حِجاباً مَسْتُوراً قال : هي الأكنة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً قال : قال أبي زيد : لا يفقهونه ، وقرأ قلوبهم في أكنة وفي آذانهم وقر ، فهم لا يخلص ذلك إليهم . وكان بعض نحويي أهل البصرة يقول : معنى قوله حِجاباً مَسْتُوراً حجابا ساترا ، ولكنه أخرج وهو فاعل في لفظ المفعول ، كما يقال : إنك مشئوم علينا وميمون ، وإنما هو شائم ويأمن ، لأنه من شأمهم ويمنهم . قال : والحجاب هاهنا : هو الساتر . وقال : مستورا . وكان غيره من أهل العربية يقول : معنى ذلك : حجابا مستورا عن العباد فلا يرونه . وهذا القول الثاني أظهر بمعنى الكلام أن يكون المستور هو الحجاب ، فيكون معناه : أن لله سترا عن أبصار الناس فلا تدركه أبصارهم ، وإن كان للقول الأول وجه مفهوم . القول في تأويل قوله تعالى : وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً يقول تعالى ذكره : وجعلنا على قلوب هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة عند قراءتك عليهم القرآن أكنة ؛ وهي جمع كنان ، وذلك ما يتغشاها من خذلان الله إياهم عن فهم ما يتلى عليهم وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً يقول : وجعلنا في آذانهم وقرا عن سماعه ، وصمما . والوقر بالفتح في الأذن : الثقل . والوقر بالكسر : الحمل . وقوله : وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ يقول : وإذا قلت : لا إله إلا الله في القرآن وأنت تتلوه وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً يقول : انفضوا ، فذهبوا عنك نفورا من قولك استكبارا له واستعظاما من أن يوحد الله تعالى . وبما قلنا في ذلك ، قال بعض أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا وإن المسلمين لما قالوا : لا إله إلا الله ، أنكر ذلك المشركون وكبرت عليهم ، فصافها إبليس وجنوده ، فأبى الله إلا أن يمضيها وينصرها ويفلجها ويظهرها على من ناوأها ، إنها كلمة من خاصم بها فلج ، ومن قاتل بها نصر ، إنما يعرفها أهل هذه الجزيرة من المسلمين ، التي يقطعها الراكب في ليال قلائل ويسير الدهر في فئام من الناس لا يعرفونها ولا يقرون بها . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً قال : بغضا لما تكلم به لئلا يسمعوه ، كما كان قوم نوح يجعلون