محمد بن جرير الطبري

67

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا ما يأمرهم به من الاستغفار والتوبة ، ويستغشون ثيابهم ، قال : يلتفون بثيابهم ، ويجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا ولا ينطر إليهم . وقال آخرون : إنما عني بقوله وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً الشياطين ، وإنها تهرب من قراءة القرآن ، وذكر الله . ذكر من قال ذلك : حدثني الحسين بن محمد الذارع ، قال : ثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي ، قال : ثنا عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس ، في قوله : وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً هم الشياطين . والقول الذي قلنا في ذلك أشبه بما دل عليه ظاهر التنزيل ، وذلك أن الله تعالى أتبع ذلك قوله وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً فأن يكون ذلك خبرا عنهم أولى إذ كان بخبرهم متصلا من أن يكون خبرا عمن لم يجز له ذكر . وأما النفور ، فإنها جمع نافر ، كما القعود جمع قاعد ، والجلوس جمع جالس ؛ وجائز أن يكون مصدرا أخرج من غير لفظه ، إذ كان قوله وَلَّوْا بمعنى : نفروا ، فيكون معنى الكلام : نفروا نفورا ، كما قال امرؤ القيس : ورضت فذلت صعبة أي إذلال إذا كان رضت بمعنى : أذللت ، فأخرج الإذلال من معناه ، لا من لفظه . القول في تأويل قوله تعالى : نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً يقول تعالى ذكره : نحن أعلم يا محمد بما يستمع به هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة من مشركي قومك ، إذ يستمعون إليك وأنت تقرأ كتاب الله وَإِذْ هُمْ نَجْوى وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول : النجوى : فعلهم ، فجعلهم هم النجوى ، كما يقول : هم قوم رضا ، وإنما رضا : فعلهم . وقوله إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً يقول : حين يقول المشركون بالله ما تتبعون إلا رجلا مسحورا . وعنى فيما ذكر بالنجوى : الذين تشاوروا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ قال : هي مثل قيل الوليد بن المغيرة ومن معه في دار الندوة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، نحوه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ الآية ، ونجواهم أن زعموا أنه مجنون . وأنه ساحر ، وقالوا : أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يذهب بقوله إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً إلى معنى : ما تتبعون إلا رجلا له سحر : أي له رثة ، والعرب تسمي الرئة سحرا ، والمسحر من قولهم للرجل إذا جبن : قد انتفخ سحره ، وكذلك يقال لكل ما أكل أو شرب من آدمي وغيره : مسحور ومسحر ، كما قال لبيد : فإن تسألينا فيم نحن فإننا * عصافير من هذا الأنام المسحر وقال آخرون : ونسحر بالطعام وبالشراب أي نغذي بهما . فكأن معناه عنده كان : إن تتبعون إلا رجلا له رئة ، يأكل الطعام ، ويشرب الشراب ، لا ملكا لا حاجة به إلى الطعام والشراب ، والذي قال من ذلك غير بعيد من الصواب . القول في تأويل قوله تعالى : انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا يقول تعالى ذكره : انظر يا محمد بعين قلبك فاعتبر كيف مثلوا لك الأمثال ، وشبهوا لك الأشباه ، بقولهم : هو مسحور ، وهو شاعر ، وهو مجنون فَضَلُّوا يقول : فجاروا عن