محمد بن جرير الطبري
60
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فذلك قوله : فلا تسرف في القتل يقول : لا تقتل غير قاتلك ، وهي اليوم على ذلك الموضع من المسلمين ، لا يحل لهم أن يقتلوا إلا قاتلهم . ذكر من قال : عني به ولي المقتول : حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : ثنا أبو رجاء ، عن الحسن ، في قوله : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً قال الإسراف في القتل : كان الرجل يقتل فيقول وليه : لا أرضى حتى أقتل به فلانا وفلانا من أشراف قبيلته . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة فلا تسرف في القتل قال : لا تقتل غير قاتلك ، ولا تمثل به . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ قال : لا يقتل غير قاتله ؛ من قتل بحديدة قتل بحديدة ؛ ومن قتل بخشبة قتل بخشبة ؛ ومن قتل بحجر قتل بحجر . ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " إن من أعتى الناس على الله جل ثناؤه ثلاثة : رجل قتل غير قاتله ، أو قتل بدخن في الجاهلية ، أو قتل في حرم الله " . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب قال : سمعته ، يعني ابن زيد ، يقول في قول الله جل ثناؤه وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً قال : إن العرب كانت إذا قتل منهم قتيل ، لم يرضوا أن يقتلوا قاتل صاحبهم ، حتى يقتلوا أشرف من الذي قتله ، فقال الله جل ثناؤه فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً ينصره وينتصف من حقه فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ يقتل بريئا . ذكر من قال عني به القاتل : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير عن مجاهد فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ قال : لا يسرف القاتل في القتل . وقد ذكرنا الصواب من القراءة في ذلك عندنا ، وإذا كان كلا وجهي القراءة عندنا صوابا ، فكذلك جميع أوجه تأويله التي ذكرناها غير خارج وجه منها من الصواب ، لاحتمال الكلام ذلك ؛ وإن في نهي الله جل ثناؤه بعض خلقه عن الإسراف في القتل ، نهى منه جميعهم عنه . وأما قوله : إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً فإن أهل التأويل اختلفوا فيمن عني بالهاء التي في قوله إِنَّهُ وعلى ما هي عائدة ، فقال بعضهم : هي عائدة على ولي المقتول ، وهو المعني بها ، وهو المنصور على القاتل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً قال : هو دفع الإمام إليه ، يعني إلى الولي ، فإن شاء قتل ، وإن شاء عفا . وقال آخرون : بل عني بها المقتول ، فعلى هذا القول هي عائدة على " من " في قوله : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير ، عن مجاهد إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً إن المقتول كان منصورا . وقال آخرون : عني بها دم المقتول ، وقالوا : معنى الكلام : إن دم القتيل كان منصورا على القاتل . وأشبه ذلك بالصواب عندي . قول من قال عني بها الولي ، وعليه عادت ، لأنه هو المظلوم ، ووليه المقتول ، وهي إلى ذكره أقرب من ذكر المقتول ، وهو المنصور أيضا ، لأن الله جل ثناؤه قضى في كتابه المنزل ، أن سلطه على قاتل وليه ، وحكمه فيه ، بأن جعل إليه قتله إن شاء ، واستبقاءه على الدية إن أحب ، والعفو عنه إن رأى ، وكفى بذلك نصرة له من الله جل ثناؤه ، فلذلك قلنا : هو المعني بالهاء التي في قوله : إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ يقول تعالى ذكره : وقضى أيضا أن لا تقربوا مال اليتيم بأكل ، إسرافا وبدارا أن يكبروا ، ولكن أقربوه بالفعلة التي هي أحسن ، والخلة التي هي أجمل ، وذلك أن تتصرفوا فيه له بالتثمير والإصلاح والحيطة . وكان قتادة يقول في ذلك ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ لما نزلت هذه الآية ، اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،