محمد بن جرير الطبري

61

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فكانوا لا يخالطونهم في طعام أو أكل ولا غيره ، فأنزل الله تبارك وتعالى وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ فكانت هذه لهم فيها رخصة . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قال : كانوا لا يخالطونهم في مال ولا مأكل ولا مركب ، حتى نزلت وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وقال ابن زيد في ذلك ما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قال : الأكل بالمعروف ، أن تأكل معه إذا احتجت إليه ، كان أبي زيد يقول ذلك . وقوله : حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ يقول : حتى يبلغ وقت اشتداده في العقل ، وتدبير ماله ، وصلاح حاله في دينه . وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ يقول : وأوفوا بالعقد الذي تعاقدون الناس في الصلح بين أهل الحرب والإسلام ، وفيما بينكم أيضا ، والبيوع والأشربة والإجارات ، وغير ذلك من العقود . إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا يقول : إن الله جل ثناؤه سائل ناقض العهد عن نقضه إياه ، يقول : فلا تنقصوا العهود الجائزة بينكم ، وبين من عاهدتموه أيها الناس فتخفروه ، وتغدروا بمن أعطيتموه ذلك . وإنما عنى بذلك أن العهد كان مطلوبا ؛ يقال في الكلام : ليسئلن فلان عهد فلان . القول في تأويل قوله تعالى وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ يقول تعالى ذكره : وَ قضى أن أَوْفُوا الْكَيْلَ للناس إِذا كِلْتُمْ لهم حقوقهم قبلكم ، ولا تبخسوهم وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ يقول : وقضى أن زنوا أيضا إذا وزنتم لهم بالميزان المستقيم ، وهو العدل الذي لا اعوجاج فيه ، ولا دغل ، ولا خديعة . وقد اختلف أهل التأويل في معنى القسطاس ، فقال بعضهم : هو القبان . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا صفوان بن عيسى ، قال : ثنا الحسن بن ذكوان ، عن الحسن : وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ قال : القبان . وقال آخرون : هو العدل بالرومية . ذكر من قال ذلك : حدثنا علي بن سهل ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : القسطاس : العدل بالرومية . وقال آخرون : هو الميزان صغر أو كبر ؛ وفيه لغتان : القسطاس بكسر القاف ، والقسطاس بضمها ، مثل القرطاس والقرطاس ؛ وبالكسر يقرأ عامة قراء أهل الكوفة ، وبالضم يقرأ عامه قراء أهل المدينة والبصرة ، وقد قرأ به أيضا بعض قراء الكوفيين ، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، لأنهما لغتان مشهورتان ، وقراءتان مستفيضتان في قراء الأمصار . وقوله : ذلِكَ خَيْرٌ يقول : إيفاؤكم أيها الناس من تكيلون له الكيل ، ووزنكم بالعدل لمن توفون له خير لكم من بخسكم إياهم ذلك ، وظلمكموهم فيه . وقوله : وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا يقول : وأحسن مردودا عليكم وأولى إليه فيه فعلكم ذلك ، لأن الله تبارك وتعالى يرضى بذلك عليكم ، فيحسن لكم عليه الجزاء . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا أي خير ثوابا وعاقبة . وأخبرنا أن ابن عباس كان يقول : يا معشر الموالي ، إنكم وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم : هذا المكيال ، وهذا الميزان . قال : وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ، ليس به إلا مخافة الله ، إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك " . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا قال : عاقبة وثوابا . القول في تأويل قوله تعالى وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فقال بعضهم . معناه : ولا تقل ما ليس لك به علم . ذكر من قال ذلك :