محمد بن جرير الطبري
53
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ قال : هو أن تصل ذا القربة والمسكين وتحسن إلى ابن السبيل . وقال آخرون : آت ذا القربى حقه بل عنى به قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمارة الأسدي ، قال : ثنا إسماعيل بن أبان ، قال : ثنا الصباح بن يحيى المزني ، عن المعدي ، عن أبي الديلم ، قال : قال علي بن الحسين عليهما السلام لرجل من أهل الشام : أقرأت القرآن ؟ قال : نعم ، قال : أفماقرأت في بني إسرائيل وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ قال : وإنكم للقرابة التي أمر الله جل ثناؤه أن يؤتى حقه ؟ قال : نعم . وأولى التأويلين عندي بالصواب ، تأويل من تأول ذلك أنها بمعنى وصية الله عباده بصلة قرابات أنفسهم وأرحامهم من قبل آبائهم وأمهاتهم ، وذلك أن الله عز وجل عقب ذلك عقيب حضه عباده على بر الآباء والأمهات ، فالواجب أن يكون ذلك حضا على صلة أنسابهم دون أنساب غيرهم التي لم يجر لها ذكر . وإذا كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام : وأعط يا محمد ذا قرابتك حقه من صلتك إياه آت ذا القربى ، وبرك به ، والعطف عليه . وخرج ذلك مخرج الخطاب لنبي الله صلى الله عليه وسلم ، والمراد بحكمه جميع من لزمته فرائض الله ، يدل على ذلك ابتداؤه الوصية بقوله جل ثناؤه : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما فوجه الخطاب بقوله وَقَضى رَبُّكَ إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ فرجع بالخطاب به إلى الجميع ، ثم صرف الخطاب بقوله إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ إلى إفراده به . والمعني بكل ذلك آت ذا القربى جميع من لزمته فرائض الله عز وجل ، أفرد بالخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده ، أو عم به هو وجميع أمته . وقوله : وَالْمِسْكِينَ وهو الذلة من أهل الحاجة . وقد دللنا فيما مضى على معنى المسكين بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقوله وَابْنَ السَّبِيلِ يعني : المسافر المنقطع به ، يقول تعالى : وصل قرابتك ، فأعطه حقه من صلتك إياه ، والمسكين ذا الحاجة ، والمجتاز بك المنقطع به ، فأعنه ، وقوه على قطع سفره . وقد قيل : إنما عنى بالأمر بإتيان ابن السبيل حقه أن يضاف ثلاثة أيام . والقول الأول عندي أولى بالصواب ، لأن الله تعالى لم يخصص من حقوقه شيئا دون شيء في كتابه ، ولا على لسان رسوله ، فذلك عام في كل حق له أن يعطاه من ضيافة أو حمولة أو معونة على سفره . وقوله وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً يقول : ولا تفرق يا محمد ما أعطاك الله من مال في معصيته تفريقا . وأصل التبذير : التفريق في السرف ؛ ومنه قول الشاعر : أناس أجارونا فكان جوارهم * أعاصير من فسق العراق المبذر وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عبيد المحاربي ، قال : ثنا أبو الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن أبي العبيدين ، قال : قال عبد الله في قوله وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً قال : التبذير في غير الحق ، وهو الإسراف . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن سلمة ، عن مسلم البطين ، عن أبي العبيدين ، قال : سئل عبد الله عن المبذر فقال : التبذير الإنفاق في غير حق . حدثنا محمد بن المثني ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن الحكم ، قال : سمعت يحيى بن الجزار يحدث عن أبي العبيدين ، ضرير البصر ، أنه سأل عبد الله بن مسعود عن هذه الآية وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً قال : إنفاق المال في غير حقه . حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن الأعمش ، عن الحكم ، عن يحيى بن الجزار ، عن أبي العبيدين ، عن عبد الله ، مثله . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : أخبرنا شعبة ، عن الحكم بن عتيبة ، عن يحيى بن الجزار أن أبا العبيدين ، كان ضرير البصر ، سأل ابن مسعود فقال : ما التبذير ؟ فقال : إنفاق المال في غير حقه . حدثنا خلاد بن أسلم ، قال :