محمد بن جرير الطبري

48

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ونصبها ؛ فمن خفض ذلك بالتنوين ، وهي قراءة عامة أهل المدينة . شبهها بالأصوات التي لا معنى لها ، كقولهم في حكاية الصوت غاق غاق ، فخفضوا القاف ونونوها ، وكان حكمها السكون ، فإنه لا شيء يعربها من أجل مجيئها بعد حرف ساكن وهو الألف ، فكرهوا أن يجمعوا بين ساكنين ، فحركوا إلى أقرب الحركات من السكون ، وذلك الكسر ، لأن المجزوم إذا حرك ، فإنما يحرك إلى الكسر . وأما الذين خفضوا بغير تنوين ، وهي قراءة عامة قراء الكوفيين والبصريين ، فإنهم قالوا : إنما يدخلون التنوين فيما جاء من الأصوات ناقصا ، كالذي يأتي على حرفين مثل : مه وصه وبخ ، فيتمم بالتنوين لنقصانه عن أبنيه الأسماء . قالوا : وأف تام لا حاجة بما إلى تتمته بغيره ، لأنه قد جاء على ثلاثة أحرف . قالوا : وإنما كسرنا الفاء الثانية لئلا نجمع بين ساكنين . وأما من ضم ونون ، فإنه قال : هو اسم كسائر الأسماء التي تعرب وليس بصوت ، وعدل به عن الأصوات . وأما من ضم ذلك بغير تنوين ، فإنه قال : ليس هو بأسم متمكن فيعرب بإعراب الأسماء المتمكنة ، وقالوا : نضمه كما نضم قوله لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ، وكما نضم الاسم في النداء المفرد ، فنقول : يا زيد . ومن نصبه بغير تنوين ، وهو قراءة بعض المكيين وأهل الشام فإنه شبهه بقولهم : مد يا هذا ورد . ومن نصب بالتنوين ، فإنه أعمل الفعل فيه ، وجعله اسما صحيحا ، فيقول : ما قلت له : أفا ولا تفا . وكان بعض نحويي البصرة يقول : قرئت : أف ، وأفا لغة جعلوها مثل نعتها . وقرأ بعضهم " أف " ، وذلك أن بعض العرب يقول : " أف لك " على الحكاية : أي لا تقل لهما هذا القول . قال : والرفع قبيح ، لأنه لم يجيء بعده بلام ، والذين قالوا : " أف " فكسروا كثير ، وهو أجود . وكسر بعضهم ونون . وقال بعضهم : " أفي " ، كأنه أضاف هذا القول إلى نفسه ، فقال : أفي هذا لكما ، والمكسور من هذا منون وغير منون على أنه اسم غير متمكن ، نحو أمس وما أشبهه ، والمفتوح بغير تنوين كذلك . وقال بعض أهل العربية : كل هذه الحركات الست تدخل في " أف " حكاية تشبه بالاسم مرة وبالصوت أخرى . قال : وأكثر ما تكسر الأصوات بالتنوين إذا كانت على حرفين مثل صه ومه وبخ . وإذا كانت على ثلاثة أحرف شبهت بالأدوات " أف " مثل : ليت ومد ، وأف مثل مد يشبه بالأدوات . وإذا قال أف مثل صه . وقالوا سمعت مض يا هذا ومض . وحكي عن الكسائي أنه قال : سمعت " ما علمك أهلك إلا مض ومض " ، وهذا كأف وأف . ومن قال : " أفا " جعله مثل سحقا وبعدا . والذي هو أولى بالصحة عندي في قراءة ذلك ، قراءة من قرأه : " فلا تقل لهما أف " بكسر الفاء بغير تنوين لعلتين ؛ إحداهما : أنها أشهر اللغات فيها وأفصحها عند العرب ؛ والثانية : أن حظ كل ما لم يكن له معرب من الكلام السكون ؛ فلما كان ذلك كذلك . وكانت الفاء في أف حظها الوقوف ، ثم لم يكن إلى ذلك سبيل لاجتماع الساكنين فيه ، وكان حكم الساكن إذا حرك أن يحرك إلى الكسر حركت إلى الكسر ، كما قيل : مد وشد ورد الباب . وقوله : وَلا تَنْهَرْهُما يقول جل ثناؤه : ولا تزجرهما . كما : حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ، قال : ثنا محمد بن عبيد ، قال : ثنا واصل الرقاشي ، عن عطاء بن أبي رباح ، في قوله : فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما قال : لا تنفض يدك على والديك . يقال منه : نهره ينهره نهرا ، وانتهره ينتهره انتهارا . وأما قوله : وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً فإنه يقول جل ثناؤه : وقل لهما قولا جميلا حسنا . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً قال : أحسن ما تجد من القول . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، عن عبد الله بن المختار ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، عن عمر بن الخطاب قَوْلًا كَرِيماً قالا : لا تمتنع من شيء يريدانه . قال أبو جعفر : وهذا الحديث خطأ ، أعني حديث هشام بن عروة ، إنما هو عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، ليس فيه عمر ، حدث