محمد بن جرير الطبري

28

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فأخذهم بختنصر يخدمونه ؛ فبينما هم كذلك ، إذ رأى بختنصر رؤيا ، فجلس فنسيها ؛ فعاد فرقد فرأها ، فقام فنسيها ، ثم عاد فرقد فرأها ، فخرج إلى الحجرة ، فنسيها ؛ فلما أصبح دعا العلماء والكهان ، فقال : أخبروني بما رأيت البارحة ، وأولوا لي رؤياي ، وإلا فليمش كل رجل منكم إلى خشبته ، موعدكم ثالثة . فقالوا : هذا لو أخبرنا برؤياه ؛ وذكر كلاما لم أحفظه ، قال : وجعل دانيال كلما مر به أحد من قرابته يقول : لو دعاني الملك لأخبرته برؤياه ، ولأولتها له ، قال : فجعلوا يقولون : ما أحمق هذا الغلام الإسرائيلي إلى أن مر به كهل ، فقال له ذلك ، فرجع إليه فأخبره ، فدعاه فقال : ماذا رأيت ؟ قال : رأيت تمثالا ، قال : إيه ، قال : ورأسه من ذهب ، قال : إيه ، قال : وعنقه من فضة ، قال : إيه ، قال : وصدره من حديد ، قال : إيه ، قال : وبطنه من صفر ، قال : إيه ، قال : ورجلاه من آنك ، قال : آية ، قال : وقدماه من فخار ، قال : هذا الذي رأيت ؟ قال : إيه ، قال : فجاءت حصاه فوقعت في رأسه ، ثم في عنقه ، ثم في صدره ، ثم في بطنه ، ثم في رجليه ، ثم في قدميه ، قال : فأهلكته . قال : فما هذا ؟ قال : أما الذهب فإنه ملكك ، وأما الفضة فملك ابنك من بعدك ، ثم ملك ابن ابنك ، قال : وأما الفخار فملك النساء ، فكساه جبة ترثون ، وسوره وطاف به في القرية ، وأجاز خاتمه ؛ فلما رأت ذلك فارس ، قالوا : ما الأمر إلا أمر هذا الإسرائيلي ، فقالوا : ائتوه من نحو الفتية الثلاثة ، ولا تذكروا له دانيال ، فإنه لا يصدقكم عليه ، فأتوه ، فقالوا : إن هؤلاء الفتية الثلاثة ليسوا على دينك ، وآية ذلك أنك إن قربت إليهم لحم الخنزير والخمر لم يأكلوا ولم يشربوا ؛ فأمر بحطب كثير فوضع ، ثم أرقاهم عليه ، ثم أوقد فيه نارا ، ثم خرج من آخر الليل يبول ، فإذا هم يتحدثون ، وإذا معهم رابع يروح عليهم يصلي ، قال : من هذا يا دانيال ؟ قال : هذا جبريل ، إنك ظلمتهم ، قال : ظلمتهم مر بهم ينزلوا ؛ فأمر بهم فنزلوا ، قال : ومسخ الله تعالى بختنصر من الدواب كلها ، فجعل من كل صنف من الدواب رأسه رأس سبع من السباع الأسد ، ومن الطير النسر ، وملك ابنه فرأى كفا خرجت بين لوحين ، ثم كتبت سطرين ، فدعا الكهان والعلماء فلم يجدوا لهم في ذلك علما ، فقالت له أمه : إنك لو أعدت إلى دانيال منزلته التي كانت له من أبيك أخبرك ، وكان قد جفاه ، فدعاه ، فقال : إني معيد إليك منزلتك من أبي ، فأخبرني ما هذان السطران ؟ قال : أما أن تعيد إلي منزلتي من أبيك ، فلا حاجة لي بها ، وأما هذان السطران فإنك تقتل الليلة ، فأخرج من في القصر أجمعين ، وأمر بقتله ، فأقفلت الأبواب عليه ، وادخل معه آمن أهل القرية في نفسه معه سيف ، فقال : من جاءك من خلق الله فاقتله ، وإن قال أنا فلان ؛ وبعث الله عليه البطن ، فجعل يمشي حتى كان شطر الليل ، فرقد ورقد صاحبه ؛ ثم نبهه البطن ، فذهب يمشي والآخر نائم ، فرجع فاستيقظ به ، فقال له : أنا فلان ، فضربه بالسيف فقتله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ آخر العقوبتين لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ كما دخله عدوهم قبل ذلك وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً فبعث الله عليهم في الآخرة بختنصر المجوسي البابلي ، أبغض خلق الله إليه ، فسبا وقتل وخرب بيت المقدس ، وسامهم سوء العذاب . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ من المرتين لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ قال : ليقبحوا وجوهكم وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً قال : يدمروا ما علوا تدميرا ، قال : هو بختنصر ، بعثه الله عليهم في المرة الآخرة . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قال : فلما أفسدوا بعث الله عليهم في المرة الآخرة بختنصر ، فخرب المساجد وتبر ما علوا تتبيرا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني ابن إسحاق ، قال : فيما بلغني ، استخلف الله على بني إسرائيل بعد ذلك ، يعني بعد قتلهم شعياء رجلا منهم