محمد بن جرير الطبري

29

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يقال له : ناشة بن آموص ، فبعث الله الخضر نبيا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قد بلغني يقول : " إنما سمي الخضر خضرا ، لأنه جلس على فروة بيضاء ، فقام عنها وهي تهتز خضراء " قال : واسم الخضر فيما كان وهب بن منبه يزعم عن بني إسرائيل : أرميا بن حلفيا ، وكان من سبط هارون بن عمران . حدثني محمد بن سهل بن عسكر ، ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه ، قالا : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، قال : ثنا عبد الصمد بن معقل ، عن وهب بن منبه . وحدثنا ابن حميد قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق عمن لا يتهم ، عن وهب بن منبه اليماني ، واللفظ لحديث ابن حميد أنه كان يقول : قال الله تبارك وتعالى لإرميا حين بعثه نبيا إلى بني إسرائيل : يا إرميا من قبل أن أخلقك اخترتك ، ومن قبل أن أصورك في بطن أمك قدستك ، ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك ، ومن قبل أن تبلغ السعي نبأتك ، ومن قبل أن تبلغ الأشد اخترتك ، ولأمر عظيم اختبأتك ؛ فبعث الله إرميا إلى ذلك الملك من بني إسرائيل يسدده ويرشده ، ويأتيه بالخبر من الله فيما بينه وبين الله ؛ قال : ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل ، وركبوا المعاصي ، واستحلوا المحارم ، ونسوا ما كان الله تعالى صنع بهم ، وما نجاهم من عدوهم سنحاريب وجنوده . فأوحى الله تعالى إلى أرمياء : أن ائت قومك من بني إسرائيل ، واقصصوا عليهم ما أمرك به ، وذكرهم نعمتي عليهم ، وعرفهم أحداثهم ، فقال أرمياء : إني ضعيف إن لم تقوني ، وعاجز إن لم تبلغني ، ومخطئ إن لم تسددني ، ومخذول إن لم تنصرني ، وذليل إن لم تعزني . قال : الله تبارك وتعالى : أو لم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتي ، وإن القلوب كلها والألسنة بيدي ، أقلبها كيف شئت ، فتطيعني ، وإني أنا الله الذي لا شيء مثلي ، قامت السماوات والأرض وما فيهن بكلمتي ، وأنا كلمت البحار ، ففهمت قولي ، وأمرتها فعقلت أمري ، وحددت عليها بالبطحاء فلا تعدى حدي ، تأتي بأمواج كالجبال ، حتى إذا بلغت حدي ألبستها مذلة طاعتي خوفا واعترافا لأمري إني معك ، ولن يصل إليك شيء معي ، وإني بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي ، لتبلغهم رسالاتي ، ولتستحق بذلك مثل أجر من تبعك منهم لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، وإن تقصر عنها فلك مثل وزر من تركب في عماه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا ؛ انطلق إلى قومك فقل : إن الله ذكر لكم صلاح آبائكم ، فحمله ذلك على أن يستتيبكم يا معشر الأبناء ، وسلهم كيف وجد آباؤهم مغبه طاعتي ، وكيف وجدوا هم مغبه معصيتي ، وهل علموا أن أحدا قبلهم أطاعني فشقي بطاعتي ، أو عصاني فسعد بمعصيتي ، فإن الدواب ما تذكر أوطانها الصالحة ، فتنتابها ، وإن هؤلاء القوم قد رتعوا في مروج الهلكة . أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولا ليعبدوهم دوني وتحكموا فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري ، وأنسوهم ذكري ، وغروهم مني . أما أمراؤهم وقاداتهم فبطروا نعمتي ، وأمنوا مكري ، ونبذوا كتابي ، ونسوا عهدي ، وغيروا سنتي ، فادان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي ، فهم يطيعوهم في معصيتي ، ويتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني جراءة علي وغرة وفرية علي وعلى رسلي ، فسبحان جلالي وعلو مكاني ، وعظم شأني ، فهل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي ، وهل ينبغي في أن اخلق عبادا اجعلهم أربابا من دوني . وأما قراؤهم وفقهاؤهم فيتعبدون في المساجد ، ويتزينون بعمارتها لغيري ، لطلب الدنيا بالدين ، ويتفقهون فيها لغير العلم ، ويتعلمون فيها لغير العمل . وأما أولاد الأنبياء ، فمكثرون مقهورون مغيرون ، يخوضون مع الخائضين ، ويتمنون على مثل نصرة آبائهم والكرامة التي أكرمتهم بها ، ويزعمون أن لا أحد أولى بذلك منهم مني بغير صدق ولا تفكر ولا تدبر ، ولا يذكرون كيف كان صبر آبائهم لي ، وكيف كان جدهم في أمري حين غير المغيرون ، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم ، فصبروا وصدقوا حتى عز أمري ، وطهر ديني ، فتأنيت