محمد بن جرير الطبري
18
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
، ويرده المهدي إلى بيت المقدس ، وهو ألف سفينة وسبع مئة سفينة ، يرسى بها على يافا حتى تنقل إلى بيت المقدس ، وبها يجمع الله الأولين والآخرين " . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني ابن إسحاق ، قال : كان مما أنزل الله على موسى في خبره عن بني إسرائيل ، وفي أحداثهم ما هم فاعلون بعده ، فقال : وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ، وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً إلى قوله : وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً فكانت بنو إسرائيل ، وفيهم الأحداث والذنوب ، وكان الله في ذلك متجاوزا عنهم ، متعطفا عليهم محسنا إليهم ، فكان مما أنزل بهم في ذنوبهم ما كان قدم إليهم في الخبر على لسان موسى مما أنزل بهم في ذنوبهم . فكان أول ما أنزل بهم من تلك الوقائع ، أن ملكا منهم كان يدعي صديقة ، وكان الله إذا ملك الملك عليهم ، بعث نبيا يسدده ويرشده ، ويكون فيما بينه وبين الله ، ويحدث إليه في أمرهم ، لا ينزل عليهم الكتب ، إنما يؤمرون باتباع التوراة والأحكام التي فيها ، وينهونهم عن المعصية ، ويدعونهم إلى ما تركوا من الطاعة ؛ فلما ملك ذلك الملك ، بعث الله معه شعياء بن أمصيا ، وذلك قبل مبعث زكريا ويحيى وعيسى وشعياء الذي بشر بعيسى ومحمد ، فملك ذلك الملك بني إسرائيل وبيت المقدس زمانا ؛ فلما انقضى ملكه عظمت فيهم الأحداث ، وشعياء معه ، بعث الله عليهم سنجاريب ملك بابل ، ومعه ست مئة ألف راية ، فأقبل سائرا حتى نزل نحو بيت المقدس ، والملك مريض في ساقه قرحة ، فجاء النبي شعياء ، فقال له : يا ملك بني إسرائيل أن سنجاريب ملك بابل ، قد نزل بك هو وجنوده ست مئة ألف راية ، وقد هابهم الناس وفرقوا منهم ، فكبر ذلك على الملك ، فقال : يا نبي الله هل أتاك وحي من الله فيما حدث ، فتخبرنا به كيف يفعل الله بنا وبسنجاريب وجنوده ؟ فقال له النبي عليه السلام : لم يأتني وحي أحدث إلي في شأنك . فبيناهم على ذلك ، أوحى الله إلى شعياء النبي : أن ائت ملك بني إسرائيل ، فمره أن يوصي وصيته ، ويستخلف على ملكه من شاء من أهل بيته . فأتى النبي شيعاء ملك بني إسرائيل صديقة ، فقال له : إن ربك قد أوحى إلي أن آمرك أن توصي وصيتك ، وتستخلف من شئت على ملكك من أهل بيتك ، فإنك ميت ؛ فلما قال ذلك شعياء لصديقة ، أقبل على القبلة ، فصلى وسبح ودعا وبكى ، فقال وهو يبكي ويتضرع إلى الله بقلب مخلص وتوكل وصبر وصدق وظن صادق . اللهم رب الأرباب ، وإله الآلهة ، قدوس المتقدسين ، يا رحمن يا رحيم ، المترحم الرؤوف الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ، أذكرني بعملي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل وذلك كله كان منك ، فأنت أعلم به من نفسي ؛ سري وعلانيتي لك ؛ وإن الرحمن استجاب له ، وكان عبدا صالحا ، فأوحى الله إلى شعياء أن يخبر صديقة الملك أن ربه قد استجاب له وقبل منه ورحمه ، وقد رأى بكاءه ، وقد أخر أجله خمس عشرة سنة ، وأنجاه من عدوه سنجاريب ملك بابل وجنوده ، فأتى شعياء النبي إلى ذلك الملك فأخبره بذلك ، فلما قال له ذلك ذهب عنه الوجع ، وانقطع عنه الشر والحزن ، وخر ساجدا وقال : يا إلهي وآله آبائي ، لك سجدت وسبحت وكرمت وعظمت ، أنت الذي تعطي الملك من تشاء ، وتنزعه ممن تشاء ، وتعز من تشاء ، وتذل من تشاء ، عالم الغيب والشهادة ، أنت الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين ، أنت الذي أحببت دعوتي ورحمت تضرعي ؛ فلما رفع رأسه ، أوحى الله إلى شعياء أن قل للملك صديقة فيأمر عبدا من عبيده بالتينة ، فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفى ، ويصبح وقد برأ ، ففعل ذلك فشفي . وقال الملك لشعياء النبي : سل ربك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعدونا هذا . قال : فقال الله لشعياء النبي : قل له : إني قد كفيتك عدوك ، وأنجيتك منه ، وإنهم سيصبحون موتى كلهم إلا سنجاريب وخمسة من كتابه ؛ فلما