محمد بن جرير الطبري

19

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أصبحوا جاءهم صارخ ينبئهم ، فصرخ على باب المدينة : يا ملك بني إسرائيل ، إن الله قد كفاك عدوك فأخرج ، فإن سنجاريب ومن معه قد هلكوا ؛ فلما خرج الملك التمس سنجاريب ، فلم يوجد في الموتى ، فبعث الملك في طلبه ، فأدركه الطلب في مغارة وخمسة من كتابه ، أحدهم بختنصر ، فجعلوهم في الجوامع ، ثم أتوا بهم ملك بني إسرائيل ؛ فلما رآهم خر ساجدا من حين طلعت الشمس حتى كانت العصر ، ثم قال لسنجاريب : كيف ترى فعل ربنا بكم ؟ ألم يقتلكم بحوله وقوته ، ونحن وأنتم غافلون ؟ فقال سنجاريب له : قد أتاني خبر ربكم ، ونصره إياكم ، ورحمته التي رحمكم بها قيل أن أخرج من بلادي ، فلم أطع مرشدا ، ولم يلقني في الشقوة إلا قلة عقلي ، ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم ، ولكن الشقوة غلبت علي وعلى من معي ، فقال ملك بني إسرائيل : الحمد لله رب العزة الذي كفاناكم بما شاء ، إن ربنا لم يبقك ومن معك لكرامة بك عليه ، ولكنه إنما أبقاك ومن معك لما هو شر لك ، لتزدادوا شقوة في الدنيا ، وعذابا في الآخرة ، ولتخبروا من وراءكم بما لقيتم من فعل ربنا ، ولتنذر من بعدكم ، ولولا ذلك ما أبقاكم ، فلدمك ودم من معك أهون على الله من دم قراد لو قتلته . ثم إن ملك بني إسرائيل أمر أمير حرسه ، فقذف في رقابهم الجوامع ، وطاف بهم سبعين يوما حول بيت المقدس إيليا ، وكان يرزقهم في كل يوم خبزتين من شعير لكل رجل منهم ، فقال سنجاريب لملك بني إسرائيل : القتل خير مما يفعل بنا ، فافعل ما أمرت ؛ فنقل بهم الملك إلى سجن القتل ، فأوحى الله إلى شعياء النبي أن قل لملك بني إسرائيل يرسل سنجاريب ومن معه لينذروا من وراءهم ، وليكرمهم ويحملهم حتى يبلغوا بلادهم ؛ فبلغ النبي شعياء الملك ذلك ، ففعل ، فخرج سنجاريب ومن معه حتى قدموا بابل ؛ فلما قدموا جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله بجنوده ، فقال له كهانه وسحرته : يا ملك بابل قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر نبيهم ، ووحي الله إلى نبيهم ، فلم تطعنا ، وهي أمة لا يستطيعها أحد مع ربهم ، فكان أمر سنجاريب مما خوفوا ، ثم كفاهم الله تذكرة وعبرة ، ثم لبث سنجاريب بعد ذلك سبع سنين ، ثم مات . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : لما مات سنجاريب استخلف بختنصر ابن ابنه على ما كان عليه جده يعمل بعمله ، ويقضي بقضائه ، فلبث سبع عشرة سنة . ثم قبض الله ملك بني إسرائيل صديقة ؛ فمرج أمر بني إسرائيل وتنافسوا الملك ، حتى قتل بعضهم بعضا عليه ، ونبيهم شعياء معهم لا يذعنون إليه ، ولا يقبلون منه ؛ فلما فعلوا ذلك ، قال الله فيما بلغنا لشعياء : قم في قومك أوح على لسانك ؛ فلما قام النبي أنطق الله لسانه بالوحي فقال : يا سماء استمعي ، ويا أرض انصتي ، فإن الله يريد أن يقص شأن بني إسرائيل الذين رباهم بنعمته ، واصطفاهم لنفسه ، وخصهم بكرامته ، وفضلهم على عباده ، وفضلهم بالكرامة ، وهم كالغنم الضائعة التي لا راعي لها ، فآوى شاردتها ، وجمع ضالتها ، وجبر كسيرها ، وداوى مريضها ، وأسمن مهزولها ، وحفظ سمينها ؛ فلما فعل ذلك بطرت ، فتناطحت كباشها فقتل بعضها بعضا ، حتى لم يبق منها عظم صحيح يجبر إليه آخر كسير ، فويل لهذه الأمة الخاطئة ، وويل لهؤلاء القوم الخاطئين الذين لا يدرون أين جاءهم الحين . إن البعير ربما يذكر وطنه فينتابه ، وإن الحمار ربما يذكر الآري الذي شبع عليه فيراجعه ، وإن الثور ربما يذكر المرج الذي سمن فيه فينتابه ، وإن هؤلاء القوم لا يدرون من حيث جاءهم الحين ، وهم أولو الألباب والعقول ، ليسوا ببقر ولا حمير ؛ وإني ضارب لهم مثلا فليسمعوه : قل لهم : كيف ترون في أرض كانت خواء زمانا ، خربة مواتا لا عمران فيها ، وكان لها رب حكيم قوي ، فأقبل عليها بالعمارة ، وكره أن تخرب أرضه وهو قوي ، أو يقال ضيع وهو حكيم ، فأحاط عليها جدارا ، وشيد فيها قصرا ، وأنبط فيها نهرا ، وصف فيها غراسا من