محمد بن جرير الطبري

187

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أن ينقض ، قال : ومثله تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ وقولهم : إني لأكاد أطير من الفرح ، وأنت لم تقرب من ذلك ، ولم تهم به ، ولكن لعظيم الأمر عندك . وقال بعض الكوفيين منهم : من كلام العرب أن يقولوا : الجدار يريد أن يسقط ؛ قال : ومثله من قول العرب قول الشاعر : إن دهر إيلف شملي بجمل * لزمان يهم بالإحسان وقول الآخر : يشكو إلي جملي طول السرى * صبرا جميلا فكلانا مبتلى قال : والجمل لم يشك ، إنما تكلم به على أنه لو تكلم لقال ذلك ؛ قال : وكذلك قول عنترة : وأزور من ولع القنا بلبانه * وشكا إلي بعبرة وتحمحم قال : ومنه قول الله عز وجل : وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ والغضب لا يسكت ، وإنما يسكت صاحبه . وإنما معناه : سكن . وقوله : فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ إنما يعزم أهله . وقال آخر منهم : هذا من أفصح كلام العرب ، وقال : إنما إرادة الجدار : ميله ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تراءى ناراهما " وإنما هو أن تكون ناران كل واحدة من صاحبتها بموضع لو قام فيه إنسان رأى الأخرى في القرب ؛ قال : وهو كقول الله عز وجل في الأصنام : وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ قال : والعرب تقول : داري تنظر إلى دار فلان ، تعني : قرب ما بينهما ؛ واستشهد بقول ذي الرمة في وصفه حوضا أو منزلا دارسا : قد كاد أو قدهم بالبيود قال : فجعله يهم ، وإنما معناه : أنه قد تغير للبلى . والذي نقول به في ذلك أن الله عز ذكره بلطفه ، جعل الكلام بين خلقه رحمة منه بهم ، ليبين بعضهم لبعض عما في ضمائرهم . مما لا تحسه أبصارهم ، وقد عقلت العرب معنى القائل : في مهمة قلقت به هاماتها * قلق الفؤوس إذا أردن نصولا وفهمت أن الفؤوس لا توصف بما يوصف به بنو آدم من ضمائر الصدور مع وصفها إياهما بأنها تريد . وعلمت ما يريد القائل بقوله : كمثل هيل النقا طاف المشاة به * ينهال حينا وينهاه الثرى حينا وإنما لم يرد أن الثرى نطق ، ولكنه أراد به أنه تلبد بالندى ، فمنعه من الانهيال ، فكان منعه إياه من ذلك كالنهي من ذوي المنطق فلا ينهال . وكذلك قوله : جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ قد علمت أن معناه : قد قارب من أن يقع أو يسقط ، وإنما خاطب جل ثناؤه بالقرآن من أنزل الوحي بلسانه ، وقد عقلوا ما عنى به وإن استعجم عن فهمه ذوو البلادة والعمى ، وضل فيه ذوو الجهالة والغبا . وقوله : فَأَقامَهُ ذكر عن ابن عباس أنه قال : هدمه ثم قعد يبنيه . حدثنا بذلك ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني ابن إسحاق ، عن الحسن بن عمارة ، عن الحكم بن عتيبة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، وقال آخرون في ذلك ما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن سعيد بن جبير فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ قال : رفع الجدار بيده فاستقام . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله عز ذكره أخبر أن صاحب موسى وموسى وجدا جدارا يريد أن ينقض فأقامه صاحب موسى ، بمعنى : عدل ميله حتى عاد مستويا . وجائز أن يكون كان ذلك بإصلاح بعد هدم . وجائز أن يكون كان برفع منه له بيده ، فاستوى بقدرة الله ، وزال عنه ميله بلطفه ، ولا دلالة من كتاب الله ولا خبر للعذر قاطع بأي ، ذلك كان من أي . وقوله : قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً يقول : قال موسى لصاحبه : لو شئت لم تقم لهؤلاء القوم جدارهم حتى يعطوك على إقامتك أجرا ، فقال بعضهم : إنما عنى موسى بالأجر الذي قال له لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً القرى :