محمد بن جرير الطبري

156

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا قال : تريد أشراف الدنيا . حدثنا صالح بن مسمار ، قال : ثنا الوليد بن عبد الملك ، قال : سليمان بن عطاء ، عن مسلمة بن عبد الله الجهني ، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي ، عن سلمان الفارسي ، قال : جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : عيينة بن حصن ، والأقرع بن حابس وذو وهم ، فقالوا : يا نبي الله ، إنك لو جلست في صدر المسجد ، ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين ، وكانت عليهم جباب الصوف ، ولم يكن عليهم غيرها جلسنا إليك وحادثناك ، وأخذنا عنك ؛ فأنزل الله : وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً حتى بلغ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً يتهددهم بالنار ؛ فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله ، فقال : " الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي ، معكم المحيا ومعكم الممات " . وقوله : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : ولا تطع يا محمد من شغلنا قلبه من الكفار الذين سألوك طرد الرهط الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي عنك ، عن ذكرنا ، بالكفر وغلبة الشقاء عليه ، واتبع هواه ، وترك اتباع أمر الله ونهيه ، وآثر هوى نفسه على طاعة ربه ، وهم فيما ذكر : عيينة بن حصن ، والأقرع بن حابس وذو وهم . حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، عن أبي سعيد الأزدي ، عن أبي الكنود ، عن خباب وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا قال : عيينة ، والأقرع . وأما قوله : وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله ، فقال بعضهم : معناه : وكان أمره ضياعا . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً قال ابن عمرو في حديثه قال : ضائعا . وقال الحرث في حديثه : ضياعا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : ضياعا . وقال آخرون : بل معناه : وكان أمره ندما . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثني ، قال : ثنا بدل بن المحبر ، قال : ثنا عباد بن راشد ، عن داود فُرُطاً قال : ندامة . وقال آخرون : بل معناه : هلاكا . ذكر من قال ذلك : حدثني الحسين بن عمرو ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، عن أبي سعيد الأزدي ، عن أبي الكنود ، عن خباب وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً من قال : هلاكا . وقال آخرون : بل معناه : خلافا للحق . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً قال : مخالفا للحق ، ذلك الفرط . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، قول من قال : معناه : ضياعا وهلاكا ، من قولهم : أفرط فلان في هذا الأمر إفراطا : إذا أسرف فيه وتجاوز قدره ، وكذلك قوله : وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً معناه : وكان أمر هذا الذي أغفلنا قلبه عن ذكرنا في الرياء والكبر ، واحتقار أهل الإيمان ، سرفا قد تجاوز حده ، فضيع بذلك الحق وهلك . وقد : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو بكر بن عياش ، قال : قيل له : كيف قرأ عاصم ؟ فقال كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً قال أبو كريب : قال أبو بكر : كان عيينة بن حصن يفخر يقول أنا وأنا . القول في تأويل قوله تعالى : وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً . . . يَشْوِي الْوُجُوهَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وقل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا ، واتبعوا أهواءهم : الحق أيها الناس من عند ربكم ، وإليه التوفيق والخذلان ، وبيده الهدى والضلال يهدي من يشاء منكم للرشاد ، فيؤمن ، ويضل من يشاء عن الهدى