محمد بن جرير الطبري

157

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فيكفر ، ليس إلي من ذلك شيء ، ولست بطارد لهواكم من كان للحق متبعا ، وبالله وبما أنزل علي مؤمنا ، فإن شئتم فآمنوا ، وإن شئتم فاكفروا ، فإنكم إن كفرتم فقد أعد لكم ربكم على كفركم به نار أحاط بكم سرادقها ، وإن آمنتم به وعملتم بطاعته ، فإن لكم ما وصف الله لأهل طاعته . وروي عن ابن عباس في ذلك ما : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ يقول : من شاء الله له الإيمان آمن ، ومن شاء الله له الكفر كفر ، وهو قوله : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ وليس هذا بإطلاق من الله الكفر لمن شاء ، والإيمان لمن أراد ، وإنما هو تهديد ووعيد . وقد بين أن ذلك كذلك قوله : إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً والآيات بعدها . كما : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، عن عمر بن حبيب ، عن داود ، عن مجاهد ، في قوله : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ . قال : وعيد من الله ، فليس بمعجزي . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ وقوله اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ قال : هذا كله وعيد ليس مصانعة ولا مراشاة ولا تفويضا . وقوله : إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً يقول تعالى ذكره : إنا أعددنا ، وهو من العدة . للظالمين : الذين كفروا بربهم . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد ، في قوله : إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها قال : للكافرين . وقوله : أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها يقول : أحاط سرادق النار التي أعدها الله للكافرين بربهم ، وذلك فيما قيل : حائط من نار يطيف بهم كسرادق الفسطاط ، وهي الحجرة التي تطيف بالفسطاط ، كما قاله رؤبة : يا حكم بن المنذر بن الجارود * سرادق الفضل عليك ممدود وكما قال سلامة بن جندل : هو المولج النعمان بيتا سماؤه * صدور الفيول بعد بيت مسردق يعني : بيتا له سرادق . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس ، في قوله : إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها قال : هي حائط من نار . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عمن أخبره ، قال أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها قال : دخان يحيط بالكفار يوم القيامة ، وهو الذي قال الله : ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك خبر يدل على أن معنى قوله أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها أحاط بهم ذلك في الدنيا ، وأن ذلك السرادق هو البحر . ذكر من قال ذلك : حدثني العباس بن محمد والحسين بن نصر ، قالا : ثنا أبو عاصم ، عن عبد الله بن أمية ، قال : ثني محمد بن حيي بن يعلى ، عن صفوان بن يعلى ، عن يعلى بن أمية ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البحر هو جهنم " قال : فقيل له : كيف ذلك ، فتلا هذه الآية ، أو قرأ هذه الآية : ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها ثم قال : والله لا أدخلها أبدا أو ما دمت حيا ، ولا تصيبني منها قطرة . حدثنا محمد بن المثني ، قال : ثنا يعمر بن بشر ، قال : ثنا ابن المبارك ، قال : أخبرنا رشدين بن سعد ، قال : ثني عمرو بن الحارث ، عن أبي السمح ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " سرادق النار أربعة جدر ، كثف كل واحد مثل مسيرة أربعين سنة " . حدثنا بشر ، قال : ثنا ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن لسرادق النار أربعة جدر ، كثف كل واحدة مثل مسيرة أربعين سنة " . حدثنا بشر ، قال : ثنا ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو ، عن دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ماء كالمهل " ، قال : " كعكر الزيت ، فإذا قربه إليه سقط فروة وجهه فيه " . وقوله : وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ