محمد بن جرير الطبري
128
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في ذلك وحيا ، ولا يأتيه جبرائيل عليه السلام ، حتى أرجف أهل مكة وقالوا : وعدنا محمد غدا ، واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه . وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه ، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة . ثم جاءه جبرائيل عليه السلام ، من الله عز وجل ، بسورة أصحاب الكهف ، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف ، وقول الله عز وجل وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا قال ابن إسحاق : فبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح السورة فقال الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ يعني محمدا إنك رسولي في تحقيق ما سألوا عنه من نبوته وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً أي معتدلا ، لا اختلاف فيه . القول في تأويل قوله تعالى : لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ يقول تعالى ذكره : أنزل على عبده القرآن معتدلا مستقيما لا عوج فيه لينذركم أيها الناس بأسا من الله شديدا . وعنى بالبأس العذاب العاجل ، والنكال الحاضر والسطوة . وقوله : مِنْ لَدُنْهُ يعني : من عند الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً عاجل عقوبة في الدنيا وعذابا في الآخرة . مِنْ لَدُنْهُ أي من عند ربك الذي بعثك رسولا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، بنحوه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : مِنْ لَدُنْهُ : أي من عنده . فان قال قائل : فأين مفعول قوله لِيُنْذِرَ فإن مفعوله محذوف اكتفى بدلالة ما ظهر من الكلام عليه من ذكره ، وهو مضمر متصل بينذر قبل البأس ، كأنه قيل : لينذركم بأسا ، كما قيل : يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ إنما هو : يخوفكم أولياءه . وقوله : وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ يقول : ويبشر المصدقين الله ورسوله الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ وهو العمل بما أمر الله بالعمل به ، والانتهاء عما نهى الله عنه أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً يقول : ثوابا جزيلا لهم من الله على إيمانهم بالله ورسوله ، وعملهم في الدنيا الصالحات من الأعمال ، وذلك الثواب : هو الجنة التي وعدها المتقون . وقوله : ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً خالدين ، لا ينتقلون عنه ، ولا ينقلون ؛ ونصب ماكثين على الحال من قوله : أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً في هذه الحال في حال مكثهم في ذلك الأجر . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً أي في دار خلد لا يموتون فيها ، الذين صدقوك بما جئت به عن الله ، وعملوا بما أمرتهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً . . . مِنْ أَفْواهِهِمْ يقول تعالى ذكره : يحذر أيضا محمد القوم الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً من مشركي قومه وغيرهم ، بأس الله وعاجل نقمته ، وآجل عذابه ، على قيلهم ذلك ، كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً يعني قريشا في قولهم : إنما نعبد الملائكة ، وهن بنات الله . وقوله : ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ يقول : ما لقائلي هذا القول ، يعني قولهم اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً . بِهِ يعني بالله من علم ، والهاء في قوله بِهِ من ذكر الله . وإنما معنى الكلام : ما لهؤلاء القائلين هذا القول بالله إنه لا يجوز أن يكون له ولد من علم ، فلجهلهم بالله وعظمته قالوا ذلك . وقوله وَلا لِآبائِهِمْ يقول : ولا لأسلافهم الذين مضوا قبلهم على مثل الذي هم عليه اليوم ، كان لهم بالله وبعظمته علم . وقوله : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ . اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدنيين والكوفيين والبصريين : كَبُرَتْ كَلِمَةً بنصب كلمة بمعنى : كبرت كلمتهم التي قالوها كلمة على التفسير ، كما يقال : نعم رجلا عمرو ، ونعم الرجل رجلا قام ، ونعم رجلا قام . وكان بعض نحويي أهل البصرة يقول :