محمد بن جرير الطبري

129

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

نصبت كلمة لأنها في معنى : أكبر بها كلمة ، كما قال جل ثناؤه وَساءَتْ مُرْتَفَقاً وقال : هي في النصب مثل قول الشاعر : ولقد علمت إذا اللقاح تروحت * هدج الرئال تكبهن شمالا أي تكبهن الرياح شمالا . فكأنه قال : كبرت تلك الكلمة . وذكر عن بعض المكيين أنه كان يقرأ ذلك : " كبرت كلمة " رفعا ، كما يقال : عظم قولك وكبر شأنك . وإذا قرئ ذلك كذلك لم يكن في قوله كَبُرَتْ كَلِمَةً مضمر ، وكان صفة للكلمة . والصواب من القراءة في ذلك عندي ، قراءة من قرأ : كَبُرَتْ كَلِمَةً نصبا لإجماع الحجة من القراء عليها ، فتأويل الكلام : عظمت الكلمة كلمة تخرج من أفواه هؤلاء القوم الذين قالوا : اتخذ الله ولدا ، والملائكة بنات الله ، كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ قولهم : إن الملائكة بنات الله . وقوله : إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً يقول عز ذكره : ما يقول هؤلاء القائلون اتخذ الله ولدا بقيلهم ذلك إلا كذبا وفرية افتروها على الله . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً إِنَّا يعني تعالى ذكره بذلك : فلعلك يا محمد قاتل نفسك ومهلكها على آثار قومك الذين قالوا لك لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً تمردا منهم على ربهم ، إن هم لم يؤمنوا بهذا الكتاب الذي أنزلته عليك فيصدقوا بأنه من عند الله حزنا وتلهفا ووجدا ، بإدبارهم عنك ، وإعراضهم عما أتيتهم به وتركهم الإيمان بك . يقال منه : بخع فلان نفسه يبخعها بخعا وبخوعا ؛ ومنه قول ذي الرمة : ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه * نحته عن يديه المقادر يريد : نحته فخفف . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : باخِعٌ قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ يقول : قاتل نفسك . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله . وأما قوله : أَسَفاً فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله ، فقال بعضهم : معناه : فلعلك باخع نفسك إن لم يؤمنوا بهذا الحديث غضبا . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً قال : غضبا . وقال آخرون : جزعا . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى " ح " ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله أَسَفاً قال : جزعا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . وقال آخرون : معناه : حزنا عليهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : أَسَفاً قال : حزنا عليهم . وقد بينا معنى الأسف فيما مضى من كتابنا هذا ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وهذه معاتبة من الله عز ذكره على وجده بمباعدة قومه إياه فيما دعاهم إليه من الإيمان بالله ، والبراءة من الآلهة والأنداد ، وكان بهم رحيما . وبنحو ما قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً يعاتبه على حزنه عليهم حين فاته ما كان يرجو منهم : أي لا تفعل . وقوله : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها يقول عز ذكره : إنا جعلنا ما على الأرض زينة للأرض لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا يقول : لنختبر عبادنا أيهم أترك لها وأتبع لأمرنا ونهينا وأعمل فيها بطاعتنا . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن