محمد بن جرير الطبري

96

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ حتى مر بالأربع ، ثم أهوى إلى القربة ، فأخذ سواكا فاستن به ، ثم توضأ ، ثم صلى ، ثم نام ، ثم استيقظ فصنع كصنعه أول مرة ، ويزعمون أنه التهجد الذي أمره الله . حدثني محمد بن المثني ، قال : ثنا محمد بن جعفر وعبد الرحمن ، قالا : ثنا سعيد ، عن أبي إسحاق ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن علقمة والأسود أنهما قالا : التهجد بعد نومة . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو عامر ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، قال : التهجد : بعد نومة . حدثنا ابن المثني ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، عن شعبة ، قال : ثني أبو إسحاق ، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد ، عن علقمة والأسود ، بمثله . حدثني الحارث ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا هشيم ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، قال : التهجد : بعد النوم . حدثني الحارث ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا يزيد ، عن هشام ، عن الحسن ، قال : التهجد : ما كان بعد العشاء الآخرة . حدثنا عن عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن جعفر بن ربيعة ، عن الأعرج ، عن كثير بن العباس ، عن الحجاج بن عمرو ، قال : إنما التهجد بعد رقدة . وأما قوله نافِلَةً لَكَ فإنه يقول : نفلالك عن فرائضك التي فرضتها عليك قيام الليل . واختلف في المعنى الذي من أجله خص ، بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع كون صلاة كل مصل بعد هجوده ، إذا كان قبل هجوده قد كان أدى فرائضه نافلة نفلا ، إذ كانت غير واجبة عليه ، فقال بعضهم : معنى خصوصه بذلك : هو أنها قيام الليل كانت فريضة عليه ، وهي لغيره تطوع ، وقيل له : أقمها نافلة لك : أي فضلا لك من الفرائض التي فرضتها عليك عما فرضت على غيرك . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ يعني بالنافلة أنها للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، أمر ب قيام الليل وكتب عليه . وقال آخرون : بل قيل ذلك له صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن فعله ذلك يكفر عنه شيئا من الذنوب ، لأن الله تعالى كان قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فكان قيام الليل له نافلة فضل ، فأما غيره فهو له كفارة ، وليس هو له نافلة . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير ، عن مجاهد ، قال : النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة من أجل أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فما عمل من عمل سوى المكتوبة ، فهو قيام الليل نافلة من أجل أنه لا يعمل ذلك في كفارة الذنوب ، فهي نوافل وزيادة ، والناس يعملون ما سوى المكتوبة لذنوبهم في كفارتها ، فليست للناس نوافل . وأولى القولين بالصواب في ذلك ، القول الذي ذكرنا عن ابن عباس ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الله تعالى قد خصه بما فرض عليه من قيام الليل ، دون سائر أمته . فأما ما ذكر عن مجاهد في ذلك ، فقول لا معنى له ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر عنه أكثر ما كان استغفارا لذنوبه بعد نزول قول الله عز وجل عليه لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وذلك أن هذه السورة أنزلت عليه بعد منصرفه من الحديبية ، وأنزل عليه إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ عام قبض . وقيل له فيها فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً فكان يعد له صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد استغفار مئة مرة ومعلوم أن الله لم يأمره أن يستغفر إلا لما يغفر له باستغفاره ذلك ، فبين إذن وجه فساد ما قاله مجاهد . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن الأعمش ، عن شمر ، عن عطية ، عن شهر ، عن أبي أمامة ، قال : إنما كانت النافلة قيام الليل للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة نافِلَةً لَكَ قال قيام الليل : تطوعا وفضيلة لك . وقوله : عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً وعسى من الله واجبة ، وإنما وجه قول أهل العلم : عسى