محمد بن جرير الطبري

97

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

من الله واجبة ، لعلم المؤمنين أن الله لا يدع أن يفعل بعباده ما أطمعهم فيه من الجزاء على أعمالهم والعوض على طاعتهم إياه ليس من صفته الغرور ، ولا شك أنه قد أطمع من قال ذلك له في نفعه ، إذا هو تعاهده ولزمه ، فإن لزم المقول له ذلك وتعاهده ثم لم ينفعه ، ولا سبب يحول بينه وبين نفعه إياه مع الأطماع الذي تقدم منه لصاحبه على تعاهده إياه ولزومه ، فإنه لصاحبه غار بما كان من إخلافه إياه فيما كان أطمعه فيه بقوله الذي قال له . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان غير جائز أن يكون جل ثناؤه من صفته الغرور لعباده صح ووجب أن كل ما أطمعهم فيه من طمع على طاعته ، أو على فعل من الأفعال ، أو أمر أو نهى أمرهم به ، أو نهاهم عنه ، فإنه موف لهم به ، وإنهم منه كالعدة التي لا يخلف الوفاء بها ، قالوا : عسى ولعل من الله واجبة . وتأويل الكلام : أقم الصلاة المفروضة يا محمد في هذه الأوقات التي أمرتك بإقامتها فيها ، ومن الليل فتهجد فرضا فرضته عليك ، قيام الليل لعل ربك أن يبعثك يوم القيامة مقاما تقوم فيه محمودا تحمده ، وتغبط فيه . ثم اختلف أهل التأويل في معنى ذلك المقام المحمود ، فقال أكثر أهل العلم : ذلك هو المقام الذي هو يقومه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة ، قال : يجمع الناس في صعيد واحد ، فيسمعهم الداعي ، وينفذهم البصر ، حفاة عراة كما خلقوا ، قياما لا تكلم نفس إلا بإذنه ، ينادى : يا محمد صلى الله عليه وسلم ، فيقول : " لبيك وسعديك والخير في يديك ، والشر ليس إليك ، والمهدي من هديت ، عبدك بين يديك ، وبك وإليك ، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك ، تبارك وتعاليت ، سبحانك رب هذا البيت " ؛ فهذا المقام المحمود الذي ذكره الله تعالى . حدثنا محمد بن المثني ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة ، قال : يجمع الناس في صعيد واحد . فلا تكلم نفس ، فأول ما يدعو محمد النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقول محمد النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقول : " لبيك " ، ثم ذكر مثله . حدثنا سليمان بن عمرو بن خالد الرقي ، قال : ثنا عيسى بن يونس ، عن رشدين بن كريب ، عن أبيه كريب عن ابن عباس ، قوله : عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً قال : المقام المحمود : مقام الشفاعة . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن سلمة بن كهيل ، قال : ثنا أبو الزعراء ، عن عبد الله في قصة ذكرها ، قال : ثم يؤمر بالصراط فيضرب على جسر جهنم ، فيمر الناس بقدر أعمالهم ؛ يمر أولهم كالبرق ، وكمر الريح ، وكمر الطير ، وكأسرع البهائم ، ثم كذلك حتى يمر الرجل سعيا ، ثم مشيا ، حتى يجيء آخرهم يتلبط على بطنه ، فيقول : رب لما أبطأت بي ، فيقول : إني لم أبطأ بك ، إنما أبطأ بك عملك ، قال : ثم يأذن الله في الشفاعة ، فيكون أول شافع يوم القيامة جبرئيل عليه السلام ، روح القدس ، ثم إبراهيم خليل الرحمن ، ثم موسى ، أو عيسى ، قال أبو الزعراء : لا أدري أيهما قال ؛ قال : ثم يقوم نبيكم صلى الله عليه وسلم رابعا ، فلا يشفع أحد بعده فيما يشفع فيه ، وهو المقام المحمود الذي ذكر الله عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن عوف ، عن الحسن في قول الله تعالى وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً قال : المقام المحمود : مقام الشفاعة يوم القيامة . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى : وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله تعالى : مَقاماً مَحْمُوداً قال : شفاعة محمد يوم القيامة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ،