محمد بن جرير الطبري
48
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عليه وسلم أن يكون ذلك منه ، ثم أمره بالقتال ، فنسخ ذلك كله ، فقال : فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ الآية . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ . . . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إنا كفيناك المستهزئين يا محمد ، الذين يستهزئون بك ويسخرون منك ، فاصدع بأمر الله ، ولا تخف شيئا سوى الله ، فإن الله كافيك من ناصبك وآذاك كما كفاك المستهزئين . وكان رؤساء المستهزئين قوما من قريش معروفين . ذكر أسمائهم : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني محمد ، قال : كان عظماء المستهزئين كما : حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير خمسة نفر من قومه قوم عروة بن الزبير ، وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم ؛ من بني أسد بن عبد العزى بن قصي : الأسود بن المطلب أبو زمعة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه ، فقال : " اللهم أعم بصره ، وأثكله ولده " . ومن بني زهرة : الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة . ومن بني مخزوم : الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم . ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي : العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد بن سهم . ومن خزاعة : الحارث بن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن عمرو بن ملكان . فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم الاستهزاء ، أنزل الله تعالى ذكره : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ إلى قوله : فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ . قال محمد بن إسحاق : فحدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير أو غيره من العلماء : أن جبرئيل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يطوفون بالبيت فقام وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ، فمر به الأسود بن المطلب ، فرمى في وجهه بورقة خضراء ، فعمي . ومر به الأسود بن عبد يغوث ، فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات منه حبنا . ومر به الوليد بن المغيرة ، فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله كان أصابه قبل ذلك بسنتين ، وهو يجر سبله ، يعني إزاره ؛ وذلك أنه مر برجل من خزاعة يريش نبلا له ، فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدش رجله ذلك الخدش وليس بشيء ، فانتقض به فقتله . ومر به العاص بن وائل السهمي ، فأشار إلى أخمص رجله ، فخرج على حمار له يريد الطائف فوقص على شبرقة ، فدخل في أخمص رجله منها شوكة ، فقتلته قال أبو جعفر : الشبرقة : المعروف بالحسك ، منه حبنا ، والحبن : الماء الأصفر ومر به الحارث بن الطلاطلة ، فأشار إلى رأسه ، فامتخط قيحا فقتله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد القرشي ، عن رجل ، عن ابن عباس ، قال : كان رأسهم الوليد بن المغيرة ، وهو الذي جمعهم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن زياد ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ قال : كان المستهزءون : الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، وأبو زمعة والأسود بن عبد يغوث ، والحارث بن عيطلة . فأتاه جبرئيل ، فأومأ بأصبعه إلى رأس الوليد ، فقال : " ما صنعت شيئا " ، قال : كفيت . وأومأ بيده إلى أخمص العاص ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما صنعت شيئا " . فقال : كفيت . وأومأ بيده إلى عين أبي . زمعة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما صنعت شيئا " ، قال : كفيت . وأومأ بأصبعه إلى رأس الأسود ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " دع لي خالي " . فقال : كفيت . وأومأ بأصبعه إلى بطن الحرث ، فقال النبي صلى الله