محمد بن جرير الطبري
97
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ يقول تعالى ذكره : الله يوسع على من يشاء من خلقه في رزقه ، فيبسط له منه ، لأن منهم من لا يصلحه إلا ذلك . وَيَقْدِرُ يقول : ويقتر على من يشاء منهم في رزقه وعيشه ، فيضيقه عليه ، لأنه لا يصلحه إلا الإقتار . وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا يقول تعالى ذكره : وفرح هؤلاء الذين بسط لهم في الدنيا من الرزق على كفرهم بالله ومعصيتهم إياه بما بسط لهم فيها ، وجهلوا ما عند الله لأهل طاعته والإيمان به في الآخرة من الكرامة والنعيم . ثم أخبر جل ثناؤه عن قدر ذلك في الدنيا فيما لأهل الإيمان به عنده في الآخرة وأعلم عباده قلته ، فقال : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ يقول : وما جميع ما أعطى هؤلاء في الدنيا من السعة وبسط لهم فيها من الرزق ورغد العيش فيما عند الله لأهل طاعته في الآخرة إلا متاع قليل وشيء حقير ذاهب . كما : حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : إِلَّا مَتاعٌ قال : قليل ذاهب . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد . قال : وثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ قال : قليل ذاهب . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن الأعمش ، عن بكير بن الأخنس ، عن عبد الرحمن بن سابط في قوله : وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ قال : كزاد الراعي يزوده أهله الكف من التمر ، أو الشيء من الدقيق ، أو الشيء يشرب عليه اللبن . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ يقول تعالى ذكره : ويقول لك يا محمد مشركو قومك : هلا أنزل عليك آية من ربك ، إما ملك يكون معك نذيرا ، أو يلقى إليك كنز ، فقل : إن الله يضل منكم من يشاء أيها القوم فيخذله عن تصديقي والإيمان بما جئته به من عند ربي ويهدي إليه من أناب ، فرجع إلى التوبة من كفره والإيمان به ، فيوفقه لاتباعي وتصديقي به على ما جئته به من عند ربه . وليس ضلال من يضل منكم بأن لم ينزل علي آية من ربي ولا هداية من يتهدي منكم بأنها أنزلت علي ، وإنما ذلك بيد الله ، يوفق من يشاء منكم للإيمان ويخذل من يشاء منكم فلا يؤمن . وقد بلغت معنى الإنابة في غير موضع من كتابنا هذا بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ : أي من تاب وأقبل . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا . . . الْقُلُوبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا يقول تعالى ذكره : وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ بالتوبة الذين آمنوا . والذين آمنوا في موضع نصب رد على من ، لأن الذين آمنوا هم من أناب ترجم بها عنها . وقوله : وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ يقول : وتسكن قلوبهم وتستأنس بذكر الله . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ يقول : سكنت إلى ذكر الله واستأنست به . وقوله : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ يقول : ألا بذكر الله تسكن وتستأنس قلوب المؤمنين . وقيل : إنه عنى بذلك قلوب المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن