محمد بن جرير الطبري

86

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

تقدير المفعلة منها ، فيكون محالة ، ومن ذلك قولهم : " المرء يعجز لا محالة " ، والمحالة في هذا الموضع : المفعلة من الحيلة . فأما بكسر الميم ، فلا تكون إلا مصدرا ، من ما حلت فلانا أماحله ومحالا ، والمماحلة بعيدة المعنى من الحيلة ، ولا أعلم أحدا قرأه بفتح الميم . فإذا كان ذلك كذلك ، فالذي هو أولى بتأويل ذلك ما قلنا من القول . القول في تأويل قوله تعالى : لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ يقول تعالى ذكره : لله من خلقه الدعوة الحق ، والدعوة هي الحق كما أضيفت الدار إلى الآخرة في قوله : وَلَدارُ الْآخِرَةِ وقد بينا ذلك فيما مضى . وإنما عنى بالدعوة الحق : توحيد الله ، وشهادة أن لا إله إلا الله . وبنحو الذي قلنا تأوله أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : دَعْوَةُ الْحَقِّ قال : لا إله إلا الله . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ قال : شهادة أن لا إله إلا الله . حدثني المثنى قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن هاشم ، قال : ثنا سيف ، عن أبي روق ، عن أبي أيوب ، عن علي رضي الله عنه : لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ قال : التوحيد . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ قال : لا إله إلا الله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس ، في قوله : لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ قال : لا إله إلا الله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ : لا إله إلا الله ليست تنبغي لأحد غيره ، لا ينبغي أن يقال : فلان إله بني فلان . وقوله : وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يقول تعالى ذكره : والآلهة التي يدعونها المشركون أربابا وآلهة . وقوله مِنْ دُونِهِ يقول : من دون الله ؛ وإنما عنى بقوله : مِنْ دُونِهِ الآلهة أنها مقصرة عنه ، وأنها لا تكون إلها ، ولا يجوز أن يكون إلها إلا الله الواحد القهار ؛ ومنه قول الشاعر : أتوعدني وراء بني رياح * كذبت لتقصرن يداك دوني يعني : لتقصرن يداك عني . وقوله : لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ يقول : لا تجيب هذه الآلهة التي يدعوها هؤلاء المشركون آلهة بشيء يريدونه من نفع أو دفع ضر . إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ يقول : لا ينفع داعي الآلهة دعاؤه إياها إلا كما ينفع باسط كفيه إلى الماء ، بسطه إياهما إليه من غير أن يرفعه إليه في إناء ، ولكن ليرتفع إليه بدعائه إياه وإشارته إليه وقبضه عليه . والعرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلا بالقابض على الماء . قال بعضهم : فإني وإياكم وشوقا إليكم * كقابض ماء لم تسقه أنامله يعني بذلك : أنه ليس في يده من ذلك إلا كما في يد القابض على الماء ، لأن القابض على الماء لا شيء في يده . وقال آخر : فأصبحت مما كان بيني وبينها * من الود من القابض الماء باليد وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا سيف ، عن أبي روق ، عن أبي أيوب ، عن علي رضي الله عنه ، في قوله : إِلَّا كَباسِطِ