محمد بن جرير الطبري

78

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

صلاة العصر وصلاة الصبح " وقوله : مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ قال ابن جريج : مثل قوله : عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ قال : الحسنات من بين يديه والسيئات من خلفه ، الذي عن يمينه يكتب الحسنات والذي عن شماله يكتب السيئات . حدثنا سوار بن عبد الله ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت ليثا يحدث عن مجاهد أنه قال : ما من عبد إلا له ملك موكل يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام ، فما منها شيء يأتيه يريده إلا قال : وراءك ، إلا شيئا يأذن الله فيه فيصيبه . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي : قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ قال : يعني الملائكة . وقال آخرون : بل عني بالمعقبات في هذا الموضع : الحرس ، الذي يتعاقب على الأمير . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو هشام الرفاعي ، قال : ثنا ابن يمان ، قال : ثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ قال : ذلك ملك من ملوك الدنيا له حرس من دونه حرس . حدثني محمد بن سعيد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يعني : ولي السلطان يكون عليه الحرس . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن شرقي ؛ أنه سمع عكرمة يقول في هذه الآية : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ قال : هؤلاء الأمراء . حدثني الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا عمرو بن نافع ، قال : سمعت عكرمة يقول : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ قال : المواكب من بين يديه ومن خلفه . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ قال : هو السلطان المحروس من أمر الله ، وهم أهل الشرك . وأولى التأويلين في ذلك بالصواب ، قول من قال : الهاء في قوله : لَهُ مُعَقِّباتٌ من ذكر " من " التي في قوله : وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وأن المعقبات من بين يديه ومن خلفه ، هي حرسه وجلاوزته كما قال ذلك من ذكرنا قوله . وإنما قلنا : ذلك أولى التأويلين بالصواب ؛ لأن قوله : لَهُ مُعَقِّباتٌ أقرب إلى قوله : وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ منه إلى عالم الغيب ، فهي لقربها منه أولى بأن تكون من ذكره ، وأن يكون المعنى بذلك هذا ، مع دلالة قول الله : وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ على أنهم المعنيون بذلك . وذلك أنه جل ثناؤه ذكر قوما أهل معصية له وأهل ريبة ، يستخفون بالليل ويظهرون بالنهار ، ويمتنعون عند أنفسهم بحرس يحرسهم ، ومنعة تمنعهم من أهل طاعته أن يحولوا بينهم وبين ما يأتون من معصية الله ، ثم أخبر أن الله تعالى ذكره إذا أراد بهم سوءا لم ينفعهم حرسهم ، ولا يدفع عنهم حفظهم . وقوله : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ اختلف أهل التأويل في تأويل هذا الحرف على نحو اختلافهم في تأويل قوله : لَهُ مُعَقِّباتٌ فمن قال : المعقبات هي الملائكة ، قال : الذين يحفظونه من أمر الله هم أيضا الملائكة ؛ ومن قال : المعقبات هي الحرس والجلاوزة من بني آدم ، قال : الذين يحفظونه من أمر الله هم أولئك الحرس . واختلفوا أيضا في معنى قوله : مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فقال بعضهم : حفظهم إياه من أمره . وقال بعضهم : يحفظونه من أمر الله بأمر الله . ذكر من قال : الذين يحفظونه هم الملائكة ، ووجه قوله : بأمر الله إلى معنى أن حفظها إياه من أمر الله : حدثني