محمد بن جرير الطبري
43
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
آمِنِينَ . . . قَدْ جَعَلَها . . . الشَّيْطانُ بَيْنِي يقول جل ثناؤه : فلما دخل يعقوب وولده وأهلوهم على يوسف آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ يقول : ضم إليه أبويه ، فقال لهم : ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ . فإن قال قائل : وكيف قال لهم يوسف : ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ بعد ما دخلوها ، وقد أخبر الله عز وجل عنهم أنهم لما دخلوها على يوسف وضم إليه أبويه قال لهم هذا القول ؟ قيل : قد اختلف أهل التأويل في ذلك ؛ فقال بعضهم : إن يعقوب إنما دخل على يوسف هو وولده ، وآوى يوسف أبويه إليه قبل دخول مصر ، قالوا : وذلك أن يوسف تلقى أباه تكرمة له قبل أن يدخل مصر ، فآواه إليه ، ثم قال له ولمن معه : ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ بها قبل الدخول . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي : فحملوا إليه أهلهم وعيالهم ، فلما بلغوا مصر كلم يوسف الملك الذي فوقه ، فخرج هو والملوك يتلقونهم ، فلما بلغوا مصر قالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا جعفر بن سليمان ، عن فرقد السبخي ، قال : لما ألقي القميص على وجهه ارتد بصيرا ، وقال : ائتوني بأهلكم أجمعين فحمل يعقوب وإخوة يوسف ؛ فلما دنا أخبر يوسف أنه قد دنا منه ، فخرج يتلقاه قال : وركب معه أهل مصر ، وكانوا يعظمونه ؛ فلما دنا أحدهما من صاحبه ، وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على رجل من ولده يقال له يهوذا ، قال : فنظر يعقوب إلى الخيل والناس ، فقال : يا يهوذا هذا فرعون مصر ؟ قال : لا ، هذا ابنك . قال : فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ، فذهب يوسف يبدؤه بالسلام ، فمنع من ذلك ، وكان يعقوب أحق بذلك منه وأفضل ، فقال : السلام عليك يا ذاهب الأحزان عني ، هكذا قال : " يا ذاهب الأحزان عني " . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : قال حجاج : بلغني أن يوسف والملك خرجا في أربعة آلاف يستقبلون يعقوب وبنيه حدثنا القاسم قال : وحدثني من سمع جعفر بن سليمان يحكي ، عن فرقد السبخي ، قال : خرج يوسف يتلقى يعقوب وركب أهل مصر مع يوسف ، ثم ذكر بقية الحديث ، نحو حديث الحرث ، عن عبد العزيز وقال آخرون : بل قوله : إِنْ شاءَ اللَّهُ استثناء من قول يعقوب لبنيه أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ؛ قال : وهو من المؤخر الذي معناه التقديم ، قالوا : وإنما معنى الكلام : قال : أستغفر لكم ربي إن شاء الله إنه هو الغفور الرحيم . فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ ورفع أبويه . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إن شاء الله آمنين . وبين ذلك ما بينه من تقديم القرآن يعني ابن جريج : " وبين ذلك ما بينه من تقديم القرآن " أنه قد دخل بين قوله : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي وبين قوله : إِنْ شاءَ اللَّهُ من الكلام ما قد دخل ، وموضعه عنده أن يكون عقيب قوله : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي . والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله السدي ، وهو أن يوسف قال ذلك لأبويه ومن معهما من أولادهما وأهاليهم قبل دخولهم مصر حين تلقاهم ، لأن ذلك في ظاهر التنزيل كذلك ، فلا دلالة تدل على صحة ما قال ابن جريج ، ولا وجه لتقديم شيء من كتاب الله عن موضعه أو تأخيره عن مكانه إلا بحجة واضحة . وقيل : عني بقوله : آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وخالته . وقال الذين قالوا هذا القول : كانت أم يوسف