محمد بن جرير الطبري

36

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عن ابن عيينة ما : حدثني به الحرث ، قال : ثنا القاسم ، قال : يحكى عن سفيان بن عيينة أنه سئل : هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ألم تسمع قوله : فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ قال الحرث : قال القاسم : يذهب ابن عيينة إلى أنهم لم يقولوا ذلك إلا والصدقة لهم حلال ، وهم أنبياء ، فإن الصدقة إنما حرمت على محمد صلى الله عليه وسلم ، لا عليهم . وقال آخرون : إنما عنى بقوله : وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا وتصدق علينا برد أخينا إلينا . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا قال : رد إلينا أخانا وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن جريج قال : رد إلينا أخانا ، وإن كان قولا له وجه ، فليس بالقول المختار في تأويل قوله : وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا لأن الصدقة في المتعارف : إنما هي إعطاء الرجل ذا الحاجة بعض أملاكه ابتغاء ثواب الله عليه ، وإن كان كل معروف صدقة ، فتوجيه تأويل كلام الله إلى الأغلب من معناه في كلام من نزل القرآن بلسانه أولى وأحرى . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال مجاهد . حدثني الحارث ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا مروان بن معاوية ، عن عثمان بن الأسود ، قال : سمعت مجاهد ا ، وسئل : هل يكره أن يقول الرجل في دعائه : اللهم تصدق علي ؟ فقال : نعم ، إنما الصدقة لمن يبغي الثواب القول في تأويل قوله تعالى : قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ذكر أن يوسف صلوات الله وسلامه عليه لما قال له إخوته : يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ أدركته الرقة وباح لهم بما كان يكتمهم من شأنه . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ذكر لي أنهم لما كلموه بهذا الكلام غلبته نفسه ، فارفض دمعه باكيا ، ثم باح لهم بالذي يكتم منهم ، فقال : هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ولم يعن بذكر أخيه ما صنعه هو فيه حين أخذه ، ولكن للتفريق بينه وبين أخيه ، إذ صنعوا بيوسف ما صنعوا حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ الآية ، قال : فرحمهم عند ذلك ، فقال لهم : هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ فتأويل الكلام : هل تذكرون ما فعلتم بيوسف وأخيه ، إذ فرقتم بينهما وصنعتم ما صنعتم إذ أنتم جاهلون ، يعني في حال جهلكم بعاقبة ما تفعلون بيوسف ، وما إليه صائر أمره وأمركم ؟ القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ يقول تعالى ذكره : قال إخوة يوسف له حين قال لهم ذلك يوسف : إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ ، فقال : نعم أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بأن جمع بيننا بعد ما فرقتم بيننا : إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ يقول : إنه من يتق الله فيراقبه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه ويصبر ، يقول : ويكف نفسه ، فيحبسها عما حرم الله عليه من قول أو عمل عند مصيبة نزلت به من الله ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ يقول : فإن الله لا يبطل ثواب إحسانه وجزاء طاعته إياه فيما أمره ونهاه . وقد اختلف القراء في قراءة قوله : أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار : أَ إِنَّكَ على الاستفهام . وذكر أن ذلك في قراءة أبي بن كعب : " أو أنت يوسف " . وروي عن ابن محيصن أنه قرأ : " إنك لأنت يوسف " على الخبر ، لا على الاستفهام . والصواب من القراءة في ذلك عندنا ، قراءة