محمد بن جرير الطبري

94

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

والجب : بئر بالشام حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : أَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يعني : الركية حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول : الجب : البئر وقوله : يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ يقول : يأخذه بعض مارة الطريق من المسافرين . إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ يقول : إن كنتم فاعلين ما أقول لكم . فذكر أنه التقطه بعض الأعراب . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ قال : التقطه ناس من الأعراب وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ : يلتقطه " تلتقطه بعض السيارة " بالتاء . حدثني بذلك أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثني حجاج ، عن هارون ، عن مطر الوراق ، عن الحسن . وكان الحسن ذهب في تأنيثه بعض السيارة إلى أن فعل بعضها فعلها ، والعرب تفعل ذلك في خبر كان عن المضاف إلى مؤنث يكون الخبر عن بعضه خبرا عن جميعه ، وذلك كقول الشاعر : أرى مر السنين أخذن مني * كما أخذ السرار من الهلال فقال : " أخذن مني " ، وقد ابتدأ الخبر عن المر ، إذ كان الخبر عن المر خبرا عن السنين ، وكما قال الآخر : إذا مات منهم سيد قام سيد * فدانت له أهل القرى والكنائس فقال : " دانت له " ، والخبر عن أهل القرى ، لأن الخبر عنهم كالخبر عن القرى . ومن قال ذلك ، لم يقل : فدانت له غلام هند ، لأن الغلام لو ألقي من الكلام لم تدل هند عليه ، كما يدل الخبر عن القرية على أهلها . وذلك أنه لو قيل : فدانت له القرى ، كان معلوما أنه خبر عن أهلها ، وكذلك بعض السيارة ، لو ألقي البعض ، فقيل : تلتقطه يلتقطه السيارة ، علم أنه خبر عن البعض أو الكل ، ودل عليه الخبر عن السيارة . القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ يقول تعالى ذكره : قال أخوة يوسف إذ تآمروا بينهم ، وأجمعوا على الفرقة بينه وبين والده يعقوب لوالدهم يعقوب : يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ فتتركه معنا إذا نحن خرجنا خارج المدينة إلى الصحراء ، وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ نحوطه ونكلؤه . القول في تأويل قوله تعالى : أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة : " يرتع ويلعب " بكسر العين من يرتع وبالياء في يرتع ويلعب ، على معنى " يفتعل " من الرعي : ارتعيت فأنا أرتعي . كأنهم وجهوا معنى الكلام إلي : أرسله معنا غدا يرتع الإبل ، ويلعب . وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ . وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة : أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ بالياء في الحرفين جميعا وتسكين العين ، من قولهم : رتع فلان في ماله : إذا لهى فيه ونعم وأنفقه في شهواته ، ومن ذلك قولهم في مثل من الأمثال : " القيد والرتعة " ؛ ومنه قول القطامي : أكفر بعد رد الموت عني * وبعد عطائك المائة الرتاعا وقرأ بعض أهل البصرة : " ترتع " بالنون " ونلعب " بالنون فيهما جميعا ، وسكون العين من " نرتع " . حدثني أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا حجاج ، عن هارون ، قال : كان أبو عمرو يقرأ يرتع ويلعب : " نرتع ونلعب " بالنون ، قال : فقلت لأبي عمرو : كيف يقولون نلعب وهم أنبياء ؟ قال : لم يكونوا يومئذ أنبياء وأولى القراءة في ذلك عندي بالصواب ، قراءة من قرأه في الحرفين كليهما بالياء وبجزم العين في " يرتع " . لأن القوم إنما سألوا إياهم إرسال يوسف معهم ، وخدعوه بالخبر عن مسألتهم إياه ذلك عما ليوسف في إرساله معهم من الفرح والسرور والنشاط بخروجه إلى الصحراء وفسحتها ولعبه هنا لك ، لا بالخبر عن أنفسهم . وبذلك أيضا جاء تأويل أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ يقول : يسع وينشط