محمد بن جرير الطبري

83

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن سليمان التيمي ، قال : ضرب رجل على كفل امرأة ، ثم أتى أبا بكر وعمرو رضي الله عنهما فكلما سأل رجلا منهما عن كفارة ذلك قال : أمغزية هي ؟ قال : نعم ، قال : لا أدري . ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك ، فقال : " أمغزية هي ؟ " قال : نعم . قال : لا أدري . حتى أنزل الله : أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن قيس بن سعد ، عن عطاء ، في قول الله تعالى : أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ أن امرأة دخلت على رجل يبيع الدقيق ، فقبلها فأسقط في يده . فأتى عمر ، فذكر ذلك له ، فقال : اتق الله ولا تكن امرأة غاز فقال الرجل : هي امرأة غاز . فذهب إلى أبى بكر فقال مثل ما قال عمر . فذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم جميعا ، فقال له : كذلك ، ثم سكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم ، فأنزل الله : أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ الصلوات المفروضات إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني عطاء بن أبي رباح ، قال : أقبلت امرأة حتى جاءت إنسانا يبيع الدقيق لتبتاع منه ، فدخل بها البيت ، فلما خلا له قبلها . قال : فسقط في يديه ، فانطلق إلى أبي بكر ، فذكر ذلك له ، فقال : أبصر لا تكونن امرأة رجل غاز فبينما هم على ذلك ، نزل في ذلك : أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ قيل لعطاء : المكتوبة هي ؟ قال : نعم هي المكتوبة . فقال ابن جريج ، وقال عبد الله بن كثير : هي المكتوبات حدثنا القاسم . . . قال ابن جريج ، عن يزيد بن رومان : إن رجلا من بني غنم ، دخلت عليه امرأة فقبلها ووضع يده على دبرها . فجاء إلى أبى بكر رضي الله عنه ثم جاء إلى عمر رضي الله عنه ثم أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية : أَقِمِ الصَّلاةَ إلى قوله : ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ فلم يزل الرجل الذي قبل المرأة يذكر ، فذلك قوله : ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ القول في تأويل قوله تعالى : وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ يقول تعالى ذكره : واصبر يا محمد على ما تلقى من مشركي قومك من الأذى في الله والمكروه رجاء جزيل ثواب الله على ذلك ، فإن الله لا يضيع ثواب عمل من عمل فأطاع الله واتبع أمره فيذهب به ، بل يوفره أحوج ما يكون إليه . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ يقول تعالى ذكره : فهلا كان من القرون الذين قصصت عليك نبأهم في هذه السورة الذين أهلكتهم بمعصيتهم إياي وكفرهم برسلي من قبلكم . أُولُوا بَقِيَّةٍ يقول : ذو بقية من الفهم والعقل ، يعتبرون مواعظ الله وبتدبرون حججه ، فيعرفون ما لهم في الإيمان بالله وعليهم في الكفر به يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ يقول : ينهون أهل المعاصي عن معاصيهم أهل الكفر بالله عن كفرهم به في أرضه . إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ يقول : لم يكن من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا يسيرا ، فإنهم كانوا ينهون عن الفساد في الأرض ، فنجاهم الله من عذابه ، حين أخذ من كان مقيما على الكفر بالله عذابه ، وهم اتباع الأنبياء والرسل . ونصب " قليلا " لأن قوله : إِلَّا قَلِيلًا استثناء منقطع مما قبله ، كما قال : إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا وقد بينا ذلك في غير موضع بما أغنى عن إعادته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : اعتذر فقال : فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ حتى بلغ : إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ فإذا هم الذين نجوا حين نزل عذاب الله . وقرأ : وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ إلى قوله : إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ قال : يستقلهم الله من كل قوم حدثنا