محمد بن جرير الطبري
84
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
محمد بن المثني ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن داود ، قال : سألني بلال ، عن قول الحسن في العذر ، قال : فقال : سمعت الحسن يقول : قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ قال : بعث الله هودا إلى عاد ، فنجى الله هودا والذين آمنوا معه وهلك المتمتعون . وبعث الله صالحا إلى ثمود ، فنجى الله صالحا وهلك المتمتعون . فجعلت أستقريه الأمم ، فقال : ما أراه إلا كان حسن القول في العذر حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ أي لم يكن من قبلكم من ينهى عن الفساد في الأرض ، إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وقوله : وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ يقول تعالى ذكره : واتبع الذين ظلموا أنفسهم فكفروا بالله ما أترفوا فيه . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ قال : ما أنظروا فيه حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ من دنياهم وكأن هؤلاء وجهوا تأويل الكلام : واتبعوا الذين ظلموا الشيء الذي أنظرهم فيه ربهم من نعيم الدنيا ولذاتها ، إيثارا له على عمل الآخرة وما ينجيهم من عذاب الله . وقال آخرون : معنى ذلك : واتبع الذين ظلموا ما تجبروا فيه من الملك وعتوا عن أمر الله . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ قال : في ملكهم وتجبرهم ، وتركوا الحق حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نحوه ، إلا أنه قال : وتركهم الحق حدثني القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثل حديث محمد بن عمرو سواء . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر أن الذين ظلموا أنفسهم من كل أمة سلفت فكفروا بالله ، اتبعوا ما أنظروا فيه من لذات الدنيا فاستكبروا وكفروا بالله واتبعوا ما أنظروا فيه من لذات الدنيا ، فاستكبروا عن أمر الله وتجبروا وصدوا عن سبيله ؛ وذلك أن المترف في كلام العرب : هو المنعم الذي قد غذى باللذات ، ومنه قول الراجز : نهدي رؤوس المترفين الصداد * إلى أمير المؤمنين الممتاد وقوله : وَكانُوا مُجْرِمِينَ يقول : وكانوا مكتسبي الكفر بالله . القول في تأويل قوله تعالى : وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ يقول تعالى ذكره : وما كان ربك يا محمد ليهلك القرى التي أهلكها ، التي قص عليك نبأها ، ظلما وأهلها مصلحون في أعمالهم ، غير مسيئين ، فيكون إهلاكه إياهم مع إصلاحهم في أعمالهم وطاعتهم ربهم ظلما ، ولكنه أهلكها بكفر أهلها بالله وتماديهم في غيهم وتكذيبهم رسلهم وركوبهم السيئات . وقد قيل : معنى ذلك لم يكن ليهلكهم بشركهم بالله ، وذلك قوله " بظلم " ، يعني : بشرك ، وأهلها مصلحون فيما بينهم لا يتظالمون ، ولكنهم يتعاطون الحق بينهم وإن كانوا مشركين ، إنما يهلكهم إذا تظالموا . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ . . . لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ يقول تعالى ذكره : ولو شاء ربك يا محمد لجعل الناس كلهم جماعة واحده على ملة واحدة ودين واحد . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً يقول : لجعلهم مسلمين كلهم وقوله : وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ يقول تعالى ذكره : ولا يزال الناس مختلفين ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ثم اختلف أهل التأويل في الاختلاف الذي وصف الله الناس أنهم لا يزالون به ، فقال بعضهم : هو الاختلاف في الأديان . فتأويل ذلك على