محمد بن جرير الطبري

75

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

كذلك قصد المعنى الذي حكيناه عن قارئ الكوفة من تخفيفه نون " إن " وهو يريد تشديدها ، ويريد بما التي في " لما " التي تدخل في الكلام صلة ، وأن يكون قصد إلى تحميل الكلام معنى : وإن كلا ليوفينهم ؛ ويجوز أن يكون معناه كان في قراءته ذلك كذلك : وإن كلا ليوفينهم أي ليوفين كلا ، فيكون نيته في نصب " كل " كانت بقوله : " ليوفينهم " ، فإن كان ذلك أراد ففيه من القبح ما ذكرت من خلافه كلام العرب ، وذلك أنها لا تنصب بفعل بعد لام اليمين اسما قبلها . وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز والبصرة : " وإن " مشددة " كلا لما " مخففة لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ولهذه القراءة وجهان من المعنى : أحدهما : أن يكون قارئها أراد : وإن كلا لمن ليوفينهم ربك أعمالهم ، فيوجه " ما " التي في " لما " إلى معنى " من " كما قال جل ثناؤه : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ وإن كان أكثر استعمال العرب لها في غير بني آدم ، وينوي باللام التي في " لما " اللام التي يتلقى بها " وإن " جوابا لها ، وباللام التي في قوله : لَيُوَفِّيَنَّهُمْ لام اليمين دخلت فيما بين ما وصلتها ، كما قال جل ثناؤه : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ وكما يقال هذا ما لغيره أفضل منه . والوجه الآخر : أن يجعل " ما " التي في " لما " بمعنى " ما " التي تدخل صلة في الكلام ، واللام التي فيها اللام التي يجاب بها ، واللام التي في : لَيُوَفِّيَنَّهُمْ هي أيضا اللام التي يجاب بها " إن " كررت وأعيدت ، إذا كان ذلك موضعها ، وكانت الأولى مما تدخلها العرب في غير موضعها ثم تعيدها بعد في موضعها ، كما قال الشاعر : فلو أن قومي لم يكونوا أعزة * لبعد لقد لاقيت لا بد مصرعي وقرأ ذلك الزهري فيما ذكر عنه : وَإِنَّ كُلًّا بتشديد إن ولما بتنوينها ، بمعنى : شديدا وحقا وجميعا . وأصح هذه القراءات مخرجا على كلام العرب المستفيض فيهم قراءة من قرأ : " وإن " بتشديد نونها ، " كلا لما " بتخفيف ما لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ بمعنى : وإن كل هؤلاء الذين قصصنا عليك يا محمد قصصهم في هذه السورة ، لمن ليوفينهم ربك أعمالهم بالصالح منها بالجزيل من الثواب ، وبالطالح منها بالشديد من العقاب ، فتكون " ما " بمعنى " من " واللام التي فيها جوابا لأن واللام في قوله : لَيُوَفِّيَنَّهُمْ لام قسم . وقوله : إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يقول تعالى ذكره : إن ربك بما يعمل هؤلاء المشركون بالله من قومك يا محمد ، خبير ، لا يخفى عليه شيء من عملهم بل يخبر ذلك كله ويعلمه ويحيط به حتى يجازيهم على جميع ذلك جزاءهم . القول في تأويل قوله تعالى : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فاستقم أنت يا محمد على أمر ربك والدين الذي ابتعثك به والدعاء إليه ، كما أمرك ربك . وَمَنْ تابَ مَعَكَ يقول : ومن رجع معك إلى طاعة الله والعمل بما أمره به ربه من بعد كفره . وَلا تَطْغَوْا يقول : ولا تعدوا أمره إلى ما نهاكم عنه . إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ يقول : إن ربكم أيها الناس بما تعملون من الأعمال كلها طاعتها ومعصيتها بصير ذو علم بها ، لا يخفى عليه منها شيء ، وهو لجميعها مبصر يقول تعالى ذكره : فاتقوا الله أيها الناس أن يطلع عليكم ربكم وأنتم عاملون بخلاف أمره فإنه ذو علم بما تعلمون ، وهو لكم بالمرصاد . وكان ابن عيينة يقول في معنى قوله : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ما : حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن الزبير ، عن سفيان في قوله : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ قال : استقم على القرآن . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلا تَطْغَوْا قال : الطغيان : خلاف الله وركوب معصيته ذلك الطغيان . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ يقول تعالى ذكره : ولا تميلوا أيها الناس إلى قول هؤلاء الذين كفروا بالله ، فتقبلوا منهم وترضوا أعمالهم ، فتمسكم النار بفعلكم ذلك ، وما لكم من دون الله من ناصر ينصركم وولي يليكم . ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ يقول : فإنكم إن فعلتم ذلك لم ينصركم الله ، بل يخليكم من نصرته ويسلط