محمد بن جرير الطبري

71

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

إلى أنه من قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ . . . إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ لا من الخلود ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : ثنا ابن التيمي ، عن أبيه ، عن أبي نضرة ، عن جابر أو أبي سعيد يعني الخدري أو عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في قوله : إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ قال : " هذه الآية تأتي على القرآن كله " ، يقول : حيث كان في القرآن خالِدِينَ فِيها تأتي عليه . قال : وسمعت أبا مجلز يقول : هو جزاؤه ، فإن شاء الله تجاوز عن عذابه وقال آخرون : عنى بذلك أهل النار وكل من دخلها . ذكر من قال ذلك : حدثت عن المسيب عمن ذكره ، عن ابن عباس : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ لا يموتون ، ولا هم منها يخرجون ما دامت السماوات والأرض . إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ قال : استثناء الله . قال : يأمر النار أن تأكلهم . قال : وقال ابن مسعود : ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد ، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن بيان ، عن الشعبي ، قال : جهنم أسرع الدارين عمرانا وأسرعهما خرابا وقال آخرون : أخبرنا الله بمشيئته لأهل الجنة ، فعرفنا معنى ثنياه بقوله : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ أنها في الزيادة على مقدار مدة السماوات والأرض ، قال : ولم يخبرنا بمشيئته في أهل النار ، وجائز أن تكون مشيئته في الزيادة وجائز أن تكون في النقصان . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ فقرأ حتى بلغ : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ قال : وأخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة ، فقال : عطاء غير مجذوذ ، ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار وأولى هذه الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب ، القول الذي ذكرنا عن قتادة والضحاك ، من أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر أنه يدخلهم النار ، خالدين فيها أبدا إلا ما شاء من تركهم فيها أقل من ذلك ، ثم يخرجهم فيدخلهم الجنة ، كما قد بينا في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصحة في ذلك ؛ لأن الله جل ثناؤه أوعد أهل الشرك به الخلود في النار ، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فغير جائز أن يكون استثناء في أهل الشرك ، وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يدخل قوما من أهل الإيمان به بذنوب أصابوها النار ثم يخرجهم منها فيدخلهم الجنة فغير جائز أن يكون ذلك استثناء أهل التوحيد قبل دخولها مع صحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا ، وأنا إن جعلناه استثناء في ذلك كنا قد دخلنا في قول من يقول : لا يدخل الجنة فاسق ولا النار مؤمن ، وذلك خلاف مذاهب أهل العلم وما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإذا فسد هذان الوجهان فلا قول قال به القدوة من أهل العلم إلا الثالث . ولأهل العربية في ذلك مذهب غير ذلك سنذكره بعد ، ونبينه إن شاء الله تعالى . وقوله : إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ يقول تعالى ذكره : إن ربك يا محمد لا يمنعه مانع من فعل ما أراد فعله بمن عصاه وخالف أمره من الانتقام منه ، ولكنه يفعل ما يشاء ، فيمضي فعله فيهم وفيمن شاء من خلقه فعله وقضاءه . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والحجاز والبصرة وبعض الكوفيين : " وأما الذين سعدوا " بفتح السين ، وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفة : وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا بضم السين ، بمعنى : رزقوا السعادة . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب . فإن قال قائل : وكيف قيل : سُعِدُوا فيما لم يسم فاعله ، ولم يقل : " أسعدوا " ، وأنت لا تقول في الخبر فيما سمى فاعله سعده الله ، بل إنما تقول : أسعده الله ؟ قيل : ذلك نظير قولهم : هو مجنون محبوب فيما لم يسم فاعله ، فإذا سموا فاعله ، قيل : أجنه الله وأحبه ، والعرب تفعل ذلك كثيرا . وقد بينا