محمد بن جرير الطبري

72

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بعض ذلك فيما مضى من كتابنا هذا . وتأويل ذلك : وأما الذين سعدوا برحمة الله ، فهم في الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ، يقول : أبدا ، إلا ما شاء ربك . فاختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم : إلا ما شاء ربك من قدر ما مكثوا في النار قبل دخولهم الجنة ، قالوا : وذلك فيمن أخرج من النار من المؤمنين فأدخل الجنة . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الضحاك ، في قوله : وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ، إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ قال : هو أيضا في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة ، يقول : خالدين في الجنة ما دامت السماوات والأرض ، إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ يقول : إلا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة وقال آخرون : معنى ذلك : إلا ما شاء ربك من الزيادة على قدر مدة دوام السماوات والأرض ، قال : وذلك هو الخلود فيها أبدا . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن أبي مالك ، يعني ثعلبة ، عن أبي سنان : وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ قال : ومشيئته خلودهم فيها ، ثم أتبعها فقال : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ واختلف أهل العربية في وجه الاستثناء في هذا الموضع ، فقال بعضهم في ذلك معنيان : أحدهما ان تجعله استثناء يستثنيه ولا يفعله ، كقولك : والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك ، وعزمك على ضربه ، قال : فكذلك قال : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ولا يشاؤه . قال : والقول الآخر : أن العرب إذا استثنت شيئا كثيرا مع مثله ومع ما هو أكثر منه . . . كان معنى إلا ومعنى الواو " سوى " فمن ذلك قوله : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ سوى ما شاء الله من زيادة الخلود ، فيجعل " إلا " مكان " سوى " فيصلح ، وكأنه قال : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض سوى ما زادهم من الخلود والأبد . ومثله في الكلام أن تقول : لي عليك ألف إلا الألفين اللذين قبله . قال : وهذا أحب الوجهين إلي لأن الله لا يخلف وعده . وقد وصل الاستثناء بقوله : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ فدل على أن الاستثناء لهم بقوله في الخلود غير منقطع عنهم . وقال آخر منهم بنحو هذا القول ، وقالوا : جائز فيه وجه ثالث ، وهو أن يكون استثنى من خلودهم في الجنة احتباسهم عنها ما بين الموت والبعث وهو البرزخ إلى أن يصيروا إلى الجنة . ثم هو خلود الأبد ، يقول : فلم يغيبوا عن الجنة إلا بقدر إقامتهم في البرزخ . وقال آخر منهم : جائز أن يكون دوام السماوات والأرض بمعنى الأبد على ما تعرف العرب وتستعمل وتستثنى المشيئة من داومها ؛ لأن أهل الجنة وأهل النار قد كانوا في وقت من أوقات دوام السماوات والأرض في الدنيا لا في الجنة ، فكأنه قال : خالدين في الجنة وخالدين في النار دوام السماء ، والأرض إلا ما شاء ربك من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب ، القول الذي ذكرته عن الضحاك ، وهو وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ من قدر مكثهم في النار ، من لدن دخلوها إلى أن ادخلوا الجنة ، وتكون الآية معناها الخصوص ؛ لأن الأشهر من كلام العرب في " إلا " توجيهها إلى معنى الاستثناء وإخراج معنى ما بعدها مما قبلها إلا أن يكون معها دلالة تدل على خلاف ذلك ، ولا دلالة في الكلام ، أعني في قوله : إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ تدل على أن معناها غير معنى الاستثناء المفهوم في الكلام فيوجه إليه . وأما قوله : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ فإنه يعني عطاء من الله غير مقطوع عنهم ، من قولهم : جذذت الشيء أجذه جذا : إذا قطعته ، كما قال النابغة : تجد السلوقي المضاعف نسجه * ويوقدن بالصفاح نار الحباحب يعني بقوله : " تجذ " : تقطع . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ قال : غير مقطوع حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ يقول : غير منقطع حدثني