محمد بن جرير الطبري
68
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الَّتِي يَدْعُونَ يقول تعالى ذكره : وما عاقبنا أهل هذه القرى التي اقتصصنا نبأها عليك يا محمد بغير استحقاق منهم عقوبتنا ، فنكون بذلك قد وضعنا عقوبتنا هم في غير موضعها ، وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ يقول : ولكنهم أوجبوا لأنفسهم بمعصيتهم الله وكفرهم به ، عقوبته وعذابه ، فأحلوا بها ما لم يكن لهم أن يحلوه بها ، وأوجبوا لها ما لم يكن لهم أن يوجبوه لها . فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ يقول : فما دفعت عنهم آلهتهم التي يدعونها من دون الله ويدعونها أربابا من عقاب الله وعذابه إذا أحله بهم ربهم من شيء ولا ردت عنهم شيئا منه . لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ يا محمد ، يقول : لما جاء قضاء ربك بعذابهم ، فحق عليهم عقابه ونزل بهم سخطه . وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ يقول : وما زادتهم آلهتهم عند مجيء أمر وربك هؤلاء المشركين بعقاب الله غير تخسير وتدمير وإهلاك ، يقال منه : تببته أتببه تتبيبا ، ومنه قولهم للرجل : تبا لك ، قال جرير : عرابة من بقية قوم لوط * ألا تبا لمتا فعلوا تبابا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا سعيد بن سلام أبو الحسن البصري ، قال : ثنا سفيان ، عن نسير بن ذعلوق ، عن ابن عمر في قوله : وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ قال : غير تخسير حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : غَيْرَ تَتْبِيبٍ قال : تخسير حدثنا المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة غَيْرَ تَتْبِيبٍ يقول : غير تخسير حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة غَيْرَ تَتْبِيبٍ قال : غير تخسير وهذا الخبر من الله تعالى ذكره ، وإن كان خبرا عمن مضى من الأمم قبلنا ، فإنه وعيد من الله جل ثناؤه لنا أيتها الأمة أنا إن سلكنا سبيل الأمم قبلنا في الخلاف عليه وعلى رسوله ، سلك بنا سبيلهم في العقوبة ، وإعلام منه لما أنه لا يظلم أحدا من خلقه ، وأن العباد هم الذين يظلمون أنفسهم . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، قال : اعتذر يعني ربنا جل ثناؤه إلى خلقه ، فقال : وَما ظَلَمْناهُمْ مما ذكرنا لك من عذاب من عذبنا من الأمم ؛ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ حتى بلغ : وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ قال : ما زادهم الذين كانوا يعبدونهم غير تتبيب القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ يقول تعالى ذكره : وكما أخذت أيها الناس أهل هذه القرى التي اقتصصت عليك نبأ أهلها بما أخذتهم به من العذاب ، على خلافهم أمري وتكذيبهم رسلي وجحودهم آياتي ، فكذلك أخذي القرى وأهلها إذا أخذتهم بعقابي وهم ظلمة لأنفسهم بكفرهم بالله وإشراكهم به غيره وتكذيبهم رسله . إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ يقول : أن أخذ ربكم بالعقاب من أخذه أليم ، يقول : موجع شَدِيدٌ الإيجاع ، وهذا أمر من الله تحذير لهذه الأمة أن يسلكوا في معصيته طريق من قبلهم من الأمم الفاجرة ، فيحل بهم ما حل بهم من المثلات . كما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن يزيد بن أبي بردة ، عن أبيه ، عن أبي موسى ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يملي " وربما قال : " يمهل للظالم ، حتى إذا أخذه لم يفلته " ثم قرأ : وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : الله حذر هذه الأمة سطوته بقوله : وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ وكان عاصم الجحدري يقرأ ذلك : " وكذلك أخذ ربك إذا إذ أخذ القرى وهي ظالمة " وذلك قراءة لا أستجيز القراءة بها لخلافها مصاحف المسلمين وما عليه قراءة الأمصار . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ يقول تعالى ذكره : إن في أخذنا من أخذنا من أهل القرى التي اقتصصنا خبرها عليكم أيها الناس الآية ، يقول : لعبرة وعظة لمن