محمد بن جرير الطبري
69
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
خاف عقاب الله وعذابه في الآخرة من عباده ، وحجة عليه لربه ، وزاجرا يزجره عن أن يعصي الله ويخالفه فيما أمره ونهاه . وقيل : بل معنى ذلك : إن فيه عبرة لمن خاف عذاب الآخرة بأن الله سيفي له بوعده . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ إنا سوف نفي لهم بما وعدناهم في الآخرة كما وفينا للأنبياء إنا ننصرهم . وقوله : ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ يقول تعالى ذكره : هذا اليوم ، يعني يوم القيامة ، يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ يقول : يحشر الله الناس من قبورهم ، فيجمعهم فيه للجزاء والثواب والعقاب . وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ يقول : وهو يوم تشهده الخلائق لا يتخلف منهم أحد ، فينتقم حينئذ ممن عصى الله وخالف أمره وكذب رسله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، عن أبي بشر ، عن مجاهد ، في قوله : ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ قال : يوم القيامة حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، عن أبي بشر ، عن عكرمة ، مثله . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن شعبة ، عن علي بن زيد ، عن يوسف المكي ، عن ابن عباس ، قال : الشاهد : محمد ، والمشهود : يوم القيامة . ثم قرأ : ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ حدثني المثني ، قال : ثنا الحجاج بن المنهال ، قال : ثنا حماد ، عن علي بن زيد ، عن ابن عباس ، قال : الشاهد : محمد ، والمشهود : يوم القيامة . ثم تلا هذه الآية : ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ حدثت عن المسيب عن جويبر ، عن الضحاك ، قوله : ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ قال : ذلك يوم القيامة ، يجتمع فيه الخلق كلهم ويشهده أهل السماء وأهل الأرض القول في تأويل قوله تعالى : وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يقول تعالى ذكره . وما نؤخر يوم القيامة عنكم أن نجيئكم به إلا لآن يقضى ، فقضى له أجلا فعده وأحصاه ، فلا يأتي إلا لأجله ذلك ، لا يتقدم مجيئه قبل ذلك ولا يتأخر . القول في تأويل قوله تعالى يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ . . . إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ يقول تعالى ذكره : يوم يأتي يوم القيامة أيها الناس ، وتقوم الساعة لا تكلم نفس إلا بإذن ربها . واختلفت القراء في قراءة قوله : " يوم يأتي " فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة بإثبات الياء فيها " يوم يأتي لا تكلم نفس " . وقرأ ذلك بعض قراء أهل البصرة وبعض الكوفيين بإثبات الياء فيها في الوصل وحذفها في الوقف . وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بحذف الياء في الوصل والوقف : " يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه " . والصواب من القراءة في ذلك عندي : يَوْمَ يَأْتِ بحذف الياء في الوصل والوقف اتباعا لخط المصحف ، وأنها لغة معروفة لهذيل ، تقول : ما أدر ما تقول ، ومنه قول الشاعر : كفاك كف ما تليق درهما * جودا وأخرى تعط بالسيف الدما وقيل : لا تَكَلَّمُ وإنما هي " لا تتكلم " ، فحذف إحدى التاءين اجتزاء بدلالة الباقية منهما عليها . وقوله : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ يقول : فمن هذه النفوس التي لا تكلم يوم القيامة إلا بإذن ربها ، شقي وسعيد وعاد على النفس ، وهي في اللفظ واحدة بذكر الجميع في قوله : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ يقول : تعالى ذكره : فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ لهم ، وهو أول نهاق الحمار وشبهه ، وَشَهِيقٌ وهو آخر نهيقه إذا ردده في الجوف عند فراغه من نهاقه ، كما قال رؤبة بن العجاج : حشرج في الجوف سحيلا أو شهق * حتى يقال ناهق وما نهق وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا