محمد بن جرير الطبري
17
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فإنهما لا يستويان عندكم ، فكذلك حال الكافر والمؤمن لا يستويان عند الله . أَ فَلا تَذَكَّرُونَ يقول جل ثناؤه : أفلا تعتبرون أيها الناس وتتفكرون ، فتعلموا حقيقة اختلاف أمريهما ، فتنزجروا عما أنتم عليه من الضلال إلى الهدى ومن الكفر إلى الإيمان ؟ فالأعمى والأصم والبصير والسميع في اللفظ أربعة ، وفي المعنى اثنان ، ولذلك قيل : هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا وقيل : كالأعمى والأصم ، والمعنى : كالأعمى الأصم ، وكذلك قيل والبصير والسميع ، والمعنى : البصير السميع ، كقول القائل : قام الظريف والعاقل ، وهو ينعت بذلك شخصا واحدا . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ يقول تعالى ذكره : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ أيها القوم نَذِيرٌ من الله نذركم بأسه على كفركم به ، فآمنوا به وأطيعوا أمره . ويعني بقوله : مُبِينٌ يبين لكم عما أرسل ، به إليكم من أمر الله ونهيه . واختلفت القراء في قراءة قوله : إِنِّي فقرأ ذلك عامة قراء الكوفة وبعض المدنيين بكسر " إن " على وجه الابتداء ، إذ كان في الإرسال معنى القول . وقرأ ذلك بعض قراء أهل المدينة والكوفة والبصرة بفتح " أن " على إعمال الإرسال فيها ، كأن معنى الكلام عندهم : لقد أرسلنا نوحا إلى قومه بأني لكم نذير مبين . والصواب من القول في ذلك عندي ، أن يقال إنهما قراءتان متفقتا المعنى ، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القراء ، فبأيتهما قرأ القارئ كان مصيبا للصواب في ذلك . وقوله : أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ فمن كسر الألف في قوله : إِنِّي جعل قوله : أَرْسَلْنا عاملا في " أن " التي في قوله : أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ويصير المعنى حينئذ : ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ، أن لا تعبدوا إلا الله ، وقل لهم إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ومن فتحها ، رد " أن " في قوله : أَنْ لا تَعْبُدُوا عليها ، فيكون المعنى حينئذ : لقد أرسلنا نوحا إلى قومه بأني لكم نذير مبين ، بأن لا تعبدوا إلا الله . ويعني بقوله : بأن لا تعبدوا إلا الله أيها الناس ، عبادة الآلهة والأوثان وإشراكها في عبادته ، وأفردوا الله بالتوحيد وأخلصوا له العبادة ، فإنه لا شريك له في خلقه . وقوله : إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ يقول : إني أيها القوم إن لم تخصوا الله بالعبادة وتفردوه بالتوحيد وتخلعوا ما دونه من الأنداد والأوثان ، أخاف عليكم من الله عذاب يوم مؤلم عقابه وعذابه لمن عذب فيه . وجعل الأليم من صفة اليوم وهو من صفة العذاب ، إذ كان العذاب فيه كما قيل : وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وإنما السكن من صفة ما سكن فيه دون الليل . القول في تأويل قوله تعالى : فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ . . . ما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا يقول تعالى ذكره : فقال الكبراء من قوم نوح وأشرافهم ، وهم الملأ الذين كفروا بالله وجحدوا نبوة نبيهم نوح عليه السلام ما نَراكَ يا نوح إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا يعنون بذلك أنه آدمي مثلهم في الخلق والصورة والجنس ، كأنهم كانوا منكرين أن يكون الله يرسل من البشر رسولا إلى خلقه . وقوله : وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ يقول : وما نراك اتبعك إلا الذين هم سفلتنا من الناس دون الكبراء والأشراف فيما يرى ويظهر لنا . وقوله : بادِيَ الرَّأْيِ اختلفت القراء في قراءته ، فقرأته عامة قراء المدينة والعراق : بادِيَ الرَّأْيِ بغير همز " البادي " وبهمز " الرأي " ، بمعنى : ظاهر الرأي ، من قولهم : بدا الشيء يبدو : إذا ظهر ، كما قال الراجز : أضحى لخالي شبهي بادي بدي * وصار للفحل لساني ويدي " بادي بدي " بغير همز . وقال آخر : وقد علتني ذرأة بادي بدي وقرأ ذلك بعض أهل البصرة : " بادئ الرأي " مهموز أيضا ، بمعنى : مبتدأ الرأي ، من قولهم : بدأت بهذا الأمر : إذا ابتدأت به قبل غيره . وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا قراءة من قرأ : بادِيَ بغير همز " البادي " ، وبهمز " الرأي " ، لأن معنى ذلك الكلام : إلا الذين هم أراذلنا في ظاهر الرأي وفيما يظهر لنا . وقوله : وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ يقول :