محمد بن جرير الطبري

18

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وما نتبين لكم علينا من فضل نلتموه بمخالفتكم إيانا في عبادة الأوثان إلى عبادة الله وإخلاص العبودة له ، فنتبعكم طلب ذلك الفضل وابتغاء ما أصبتموه بخلافكم إيانا ؛ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ وهذا خطاب منهم لنوح عليه السلام ، وذلك أنهم إنما كذبوا نوحا دون أتباعه ، لأن أتباعه لم يكونوا رسلا . وأخرج الخطاب وهو واحد مخرج خطاب الجميع ، كما قيل : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ وتأويل الكلام : بل نظنك يا نوح في دعواك أن الله ابتعثك إلينا رسولا كاذبا . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله بادِيَ الرَّأْيِ قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجا ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس ، قوله : وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ قال : فيما ظهر لنا القول في تأويل قوله تعالى : قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نوح لقومه إذ كذبوه وردوا عليه ما جاءهم به من عند الله من النصيحة : يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي على علم ومعرفة وبيان من الله لي ما يلزمني له ، ويجب علي من إخلاص العبادة له وترك إشراك الأوثان معه فيها . وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ يقول : ورزقني منه التوفيق والنبوة والحكمة ، فآمنت به وأطعته فيما أمرني ونهاني . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل البصرة والكوفة : " فعميت " بفتح العين وتخفيف الميم ، بمعنى : فعميت الرحمة عليكم فلم تهتدوا لها فتقروا بها وتصدقوا رسولكم عليها . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين : فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ بضم العين وتشديد الميم ، اعتبارا منهم ذلك بقراءة عبد الله ، وذلك أنهما فيما ذكر في قراءة عبد الله : " فعماها عليكم " . وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه : فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ بضم العين وتشديد الميم للذي ذكروا من العلة لمن قرأ به ، ولقربه من قوله : أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فأضاف الرحمة إلى الله ، فكذلك تعميته على الآخرين بالإضافة إليه أولى . وهذه الكلمة فعميت عليكم مما حولت العرب الفعل عن موضعه ، وذلك أن الإنسان هو الذي يعمى عن إبصار الحق ، إذ يعمى عن إبصاره ، والحق لا يوصف بالعمى إلا على الاستعمال الذي قد جرى به الكلام ، وهو في جوازه لاستعمال العرب إياه نظير قولهم : دخل الخاتم في يدي ، والخف في رجلي ، ومعلوم أن الرجل هي التي تدخل في الخف ، والأصبع في الخاتم ، ولكنهم استعملوا ذلك كذلك لما كان معلوما المراد فيه . وقوله : أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ يقول : أنأخذكم بالدخول في الإسلام وقد عماه الله عليكم ، لَها كارِهُونَ يقول : وأنتم لإلزامناكموها كارهون ، يقول : لا نفعل ذلك ، ولكن نكل أمركم إلى الله حتى يكون هو الذي يقضي في أمركم ما يرى ويشاء . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال نوح : يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي قال : قد عرفتها وعرفت بها أمره وأنه لا إله إلا هو ، وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ الإسلام والهدى والإيمان والحكم والنبوة حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي الآية ، أما والله لو استطاع نبي الله صلى الله علية وسلم لألزمها قومه ، ولكن لم يستطع ذلك ولم يملكه حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا سفيان ، عن داود ، عن أبي العالية ، قال : في قراءة أبي : " أنلزمكموها من شطر أنفسنا وأنتم لها كارهون " حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن الزبير ، عن ابن عيينة ، قال : أخبرنا عمرو بن دينار قال : قرأ ابن عباس : " أنلزمكموها من شطر أنفسنا " قال عبد الله : من شطر أنفسنا : من تلقاء أنفسنا حدثني الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس مثله . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال :