محمد بن جرير الطبري

130

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ ذكر لنا أن أبا الدرداء كان يقول : يا رب شاكر نعمة غير منعم عليه لا يدري ، ورب حامل فقه غير فقيه القول في تأويل قوله تعالى : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ذكر أن يوسف صلوات الله وسلامه عليه قال هذا القول للفتيين اللذين دخلا معه السجن ، لأن أحدهما كان مشركا ، فدعاه بهذا القول إلى الإسلام وترك عبادة الآلهة والأوثان ، فقال : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ يعني : يا من هو في السجن . وجعلهما صاحبيه لكونهما فيه ، كما قال الله تعالى لسكان الجنة أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وكذلك قال لأهل النار ، وسماهم أصحابها لكونهم فيها . وقوله : أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ يقول : أعبادة أرباب شتى متفرقين وآلهة لا تنفع ولا تضر خير ، أم عبادة المعبود الواحد الذي لا ثاني له في قدرته وسلطانه ، الذي قهر كل شي فذلله وسخره فأطاعه طوعا وكرها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ إلى قوله : لا يَعْلَمُونَ لما عرف نبي الله يوسف أن أحدهما مقتول دعاهما إلى حظهما من ربهما وإلى نصيبهما من آخرتهما حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ يوسف يقوله قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثم دعاهما إلى الله وإلى الإسلام ، فقال : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ : أي خير أن تعبدوا إلها واحدا ، أو آلهة متفرقة لا تغني عنكم شيئا ؟ القول في تأويل قوله تعالى : ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يعنى بقوله : ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ : ما تعبدون من دون الله . وقال : ما تَعْبُدُونَ وقد ابتدأ الخطاب بخطاب اثنين فقال : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ لأنه قصد المخاطب به ومن هو على الشرك بالله مقيم من أهل مصر ، فقال للمخاطب بذلك : ما تعبد أنت ومن هو على مثل ما أنت عليه من عبدة الأوثان إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ، وذلك تسميتهم أوثانهم آلهة أربابا ، شركا منهم وتشبيها لها في أسمائها التي سموها بها بالله ، تعالى عن أن يكون له مثل أو شبيه . ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ يقول : سموها بأسماء لم يأذن لهم بتسميتها ، ولا وضع لهم على أن تلك الأسماء أسماؤها دلالة ولا حجة ، ولكنها اختلاق منهم لها وافتراء . وقوله : إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ يقول : وهو الذي أمر ألا تعبدوا أنتم وجميع خلقه إلا الله الذي له الألوهة والعبادة خالصة دون كل ما سواه من الأشياء . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس عن أبي العالية ، في قوله : إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ قال : أسس الدين على الإخلاص لله وحده لا شريك له وقوله : ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ يقول : هذا الذي دعوتكما إليه من البراءة من عبادة ما سوى الله من الأوثان ، وأن تخلصا العبادة لله الواحد القهار ، هو الدين القويم الذي لا اعوجاج فيه ، والحق الذي لا شك فيه . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يقول : ولكن أهل الشرك بالله يجهلون ذلك ، فلا يعلمون حقيقته . القول في تأويل قوله تعالى : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ يقول جل ثناؤه مخبرا عن قيل يوسف للذين دخلا معه السجن : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً هو الذي رأى أنه يعصر خمرا ، فيسقي ربه : يعني سيده وهو ملكهم ، خمرا : يقول : يكون صاحب شرابه