محمد بن جرير الطبري

129

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

، قال : ثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي ، قال : قال يوسف لهما : لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ في النوم إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ في اليقظة حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : قال يوسف لهما : لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ يقول : في نومكما إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ ويعنى بقوله بِتَأْوِيلِهِ : ما يؤول إليه ويصير ما رأيا في منامهما من الطعام الذي رأيا أنه أتاهما فيه . وقوله : ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي يقول : هذا الذي أذكر أني أعلمه من تعبير الرؤيا مما علمني ربى فعلمته . إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وجاء الخبر مبتدأ : أي تركت ملة قوم ، والمعنى : ما ملت وإنما ابتدأ بذلك لأن في الابتداء الدليل على معناه وقوله : إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ يقول : إني برئت من ملة من لا يصدق بالله ، ويقر بوحدانيته . وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ يقول : وهم مع تركهم الإيمان بوحدانية الله لا يقرون بالمعاد والبعث ولا بثواب ولا عقاب . وكررت " هم " مرتين ، فقيل : وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ لما دخل بينهما قوله : بِالْآخِرَةِ فصارت " هم " الأولى كالملغاة ، وصار الاعتماد على الثانية ، كما قيل : وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ وكما قيل : أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ . فإن قال قائل : ما وجه هذا الخبر ومعناه من يوسف ، وأين جوابه الفتيين عما سألاه من تعبير رؤياهما من هذا الكلام ؟ قيل له : إن يوسف كره أن يجيبهما عن تأويل رؤياهما لما علم من مكروه ذلك على أحدهما ، فأعرض عن ذكره وأخذ في غيره ليعرضا عن مسألته الجواب بما سألاه من ذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، في قوله : إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ . قال : فكره العبارة لهما ، وأخبرهما بشيء لم يسألاه عنه ليريهما أن عنده علما . وكان الملك إذا أراد قتل إنسان ، صنع له طعاما معلوما ، فأرسل به إليه ، ف قالَ يوسف : لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلى قوله : يَشْكُرُونَ . فلم يدعاه ، فعدل بهما ، وكره العبارة لهما ، فلم يدعاه حتى يعبر لهما ، فعدل بهما وقال : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ إلى قوله : يَعْلَمُونَ فلم يدعاه حتى عبر لهما ، فقال : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ . قالا : ما رأينا شيئا ، إنما كنا نلعب قال : قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ وعلى هذا التأويل الذي تأوله ابن جريج . . . عن ابن جريج ، في قوله : إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ . . . فقوله : لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ في اليقظة لا في النوم . وإنما أعلمهما على هذا القول أن عنده علم ما يؤول إليه أمر الطعام الذي يأتيهما من عند الملك ومن عند غيره ، لأنه قد علم النوع الذي إذا أتاهما كان علامة لقتل من أتاه ذلك منهما ، والنوع الذي إذا أتاه كان علامة لغير ذلك ، فأخبرهما أنه عنده علم ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ يعني بقوله : وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ واتبعت دينهم لا دين أهل الشرك . ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ يقول : ما جاز لنا أن نجعل لله شريكا في عبادته وطاعته ، بل الذي علينا إفراده بالألوهة والعبادة . ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا يقول : اتباعي ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب على الإسلام ، وتركي مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ، من فضل الله الذي تفضل به علينا ، فأنعم إذ أكرمنا به . وَعَلَى النَّاسِ يقول : وذلك أيضا من فضل الله على الناس ، إذ أرسلنا إليهم دعاة إلى توحيده وطاعته . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ يقول : ولكن من يكفر بالله لا يشكر ذلك من فضله عليه ، لأنه لا يعلم من أنعم به عليه ولا يعرف المتفضل به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا أن جعلنا أنبياء . وَعَلَى النَّاسِ يقول : أن بعثنا إليهم رسلا