محمد بن جرير الطبري
125
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الشمس مطلعا ، وغربت مغربا ، فيجعلونها وهي أسماء خلفا من المصادر ، فكذلك السجن ، فإذا فتحت السين من السجن كان مصدرا صحيحا . وقد ذكر عن بعض المتقدمين أنه يقرؤه : " السجن أحب إلي " بفتح السين . ولا أستجيز القراءة بذلك لإجماع الحجة من القراء على خلافها . وتأويل الكلام : قال يوسف : يا رب الحبس في السجن أحب إلي مما يدعونني إليه من معصيتك ويراودنني عليه من الفاحشة . كما : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ : من الزنا حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : قال يوسف ، وأضاف إلى ربه واستعانه على ما نزل به : رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ : أي السجن أحب إلي من أن آتي ما تكره وقوله : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ يقول : وإن لم تدفع عني يا رب فعلهن الذي يفعلن بي في مراودتهن إياي على أنفسهن أصب إليهن ، يقول : أميل إليهن ، وأتابعهن على ما يردن مني ، ويهوين من قول القائل : صبا فلان إلى كذا ، ومنه قول الشاعر : إلى هند صبا قلبي * وهند مثلها يصبي وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : أَصْبُ إِلَيْهِنَّ يقول : أتابعهن حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ : أي ما أتخوف منهن أَصْبُ إِلَيْهِنَّ حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ قال : إلا يكن منك أنت العون والمنعة ، لا يكن مني ولا عندي وقوله : وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ يقول : وأكن بصبوتي إليهن من الذين جهلوا حقك وخالفوا أمرك ونهيك . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ : أي جاهلا إذا ركبت معصيتك القول في تأويل قوله تعالى : فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ إن قال قائل : وما وجه قوله : فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ ولا مسألة تقدمت من يوسف لربه ، ولا دعا بصرف كيدهن عنه ، وإنما أخبر ربه أن السجن أحب إليه من معصيته ؟ قيل : إن في إخباره بذلك شكاية منه إلى ربه مما لقي منهن ، وفي قوله : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ معنى دعاء ومسألة منه ربه صرف كيدهن ، ولذلك قال الله تعالى ذكره : فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ وذلك كقول القائل لآخر : إن لا تزرني أهنك ، فيجيبه الآخر : إذن أزورك ، لأن في قوله : إن لا تزرني أهنك ، معنى الأمر بالزيارة . وتأويل الكلام : فاستجاب الله ليوسف دعاءه ، فصرف عنه ما أرادت منه امرأة العزيز وصواحباتها من معصية الله . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ : أي نجاه من أن يركب المعصية فيهن ، وقد نزل به بعض ما حذر منهن وقوله : إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ دعاء يوسف حين دعاه بصرف كيد النسوة عنه ودعاء كل داع من خلقه . الْعَلِيمُ بمطلبه وحاجته ، وما يصلحه ، وبحاجة جميع خلقه وما يصلحهم . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ يقول تعالى ذكره : ثم بدا للعزيز زوج المرأة التي راودت يوسف عن نفسه . وقيل : " بدا لهم " ، وهو واحد ، لأنه لم يذكر باسمه ويقصد بعينه ، وذلك نظير قوله : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ وقيل : إن قائل ذلك كان واحدا . وقيل : معنى قوله : ثُمَّ بَدا لَهُمْ في الرأي الذي كانوا رأوه من ترك يوسف مطلقا ، ورأوا أن يسجنوه مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ ببراءته مما قذفته به امرأة العزيز . وتلك الآيات كانت : قد القميص من دبر ، وخمشا في الوجه ، وقطع أيديهن ، كما :