محمد بن جرير الطبري

124

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

التيمي ، وكان غرا ، عن أبي الحويرث الحنفي أنه قرأ : " ما هذا بشرى " بشرا : أي ما هذا بمشتري ، يريد بذلك أنهن أنكرن أن يكون مثله مستعبدا يشترى ويباع . وهذه القراءة لا أستجيز القراءة بها لإجماع قراء الأمصار على خلافها وقد بينا أن ما أجمعت عليه فغير جائز خلافها فيه . وأما نصب البشر ، فمن لغة أهل الحجاز إذا أسقطوا الباء من الخبر نصبوه ، فقالوا : ما عمرو قائما . وأما أهل نجد ، فإن من لغتهم رفعه ، يقولون : ما عمرو قائم ؛ ومنه قول بعضهم حيث يقول : لشتان ما أنوي وينوي بنو أبي * جميعا ، فما هذان مستويان تمنوا لي الموت الذي يشعب الفتى * وكل فتى والموت يلتقيان وأما القرآن ، فجاء بالنصب في كل ذلك ، لأنه نزل بلغة أهل الحجاز . وقوله : إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ يقول : قلن ما هذا إلا ملك من الملائكة . كما : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ قال : قلن : ملك من الملائكة القول في تأويل قوله تعالى : قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ يقول تعالى ذكره : قالت امرأة العزيز للنسوة اللاتي قطعن أيديهن ، فهذا الذي أصابكن في رؤيتكن إياه وفي نظرة منكن نظرتن إليه ما أصابكن من ذهاب العقل وغروب الفهم ولها إليه حتى قطعتن أيديكن ، هو الذي لمتنني في حبي إياه وشغف فؤادي به ، فقلتن : قد شغف امرأة العزيز فتاها حبا إنا لنراها في ضلال مبين . ثم أقرت لهن بأنها قد راودته عن نفسه ، وأن الذي تحدثن به عنها في أمره حق ، فقالت : وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ مما راودته عليه من ذلك . كما : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمرو بن محمد ، عن أسباط ، عن السدي ، قالت : فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ : تقول : بعد ما حل السراويل استعصى ، لا أدري ما بدا له حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَاسْتَعْصَمَ : أي فاستعصى حدثني علي بن داود ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : فَاسْتَعْصَمَ يقول : فامتنع وقوله : لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ تقول : ولئن لم يطاوعني على ما أدعوه إليه من حاجتي إليه ليسجنن ، تقول : ليحبسن في السجن ، وليكونا من أهل الصغار والذلة بالحبس والسجن ، ولأهيننه . والوقف على قوله : " ليسجنن " بالنون لأنها مشددة ، كما قيل : لَيُبَطِّئَنَّ . وأما قوله : وَلَيَكُوناً فإن الوقف عليه بالألف لأنها النون الخفيفة ، وهي شبيهة نون الإعراب في الأسماء في قول القائل : رأيت رجلا عندك ، فإذا وقف على الرجل قيل : رأيت رجلا ، فصارت النون ألفا ، فكذلك ذلك في : وليكونا ، ومثله قوله : لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ الوقف عليه بالألف لما ذكرت ؛ ومنه قول الأعشى : وصل على حين العشيات والضحى * ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا وإنما هو : " فاعبدن " ، ولكن إذا وقف عليه كان الوقف بالألف . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ . وهذا الخبر من الله يدل على أن امرأة العزيز قد عاودت يوسف في المراودة عن نفسه ، وتوعدته بالسجن والحبس إن لم يفعل ما دعته إليه ، فاختار السجن على ما دعته إليه من ذلك ؛ لأنها لو لم تكن عاودته وتوعدته بذلك ، كان محالا أن يقول : رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وهو لا يدعى إلى شيء ولا يخوف بحبس . والسجن هو الحبس نفسه ، وهو بيت الحبس . وبكسر السين قرأه قراء الأمصار كلها ، والعرب تضع الأماكن المشتقة من الأفعال مواضع الأفعال فتقول : طلعت