محمد بن جرير الطبري

83

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الإِتيان بها ، فإن لم تفعلوا ذلك فلا شك أنكم كذبة في زعمكم أن محمدا افتراه ؛ لأَن محمدا لن يعدو أن يكون بشرا مثلكم ، فإذا عجز الجميع من الخلق أن يأتوا بسورة مثله ، فالواحد منهم عن أن يأتي بجميعه أعجز . القول في تأويل قوله تعالى : بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ يقول تعالى ذكره : ما بهؤلاء المشركين يا محمد تكذيبك ، ولكن بهم التكذيب بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ مما أنزل الله عليك في هذا القرآن من وعيدهم على كفرهم بربهم ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ يقول : ولما يأتهم بعد بيان ما يؤول إليه ذلك الوعيد الذي توعدهم الله في هذا القرآن . كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يقول تعالى ذكره : كما كذب هؤلاء المشركون يا محمد بوعيد الله ، كذلك كذب الأَمم التي خلت قبلهم بوعيد الله إياهم على تكذيبهم رسلهم وكفرهم بربهم . فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فانظر يا محمد كيف كان عقبى كفر من كفر بالله ، ألم نهلك بعضهم بالرجفة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالغرق ؟ يقول : فإن عاقبة هؤلاء الذي يكذبونك ويجحدون بآياتي من كفار قومك ، كالتي كانت عاقبة . من قبلهم من كفرة الأَمم ، إن لم ينيبوا من كفرهم ويسارعوا إلى التوبة . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يقول تعالى ذكره : ومن قومك يا محمد من قريش من سوف يؤمن به ، يقول : من سوف يصدق بالقرآن ، ويقر أنه من عند الله . وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ يقول : ومنهم من لا يصدق به ، ولا يقر أبدا . وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ يقول : والله أعلم بالمكذبين به منهم ، الذين لا يصدقون به أبدا من كل أحد لا يخفى عليه ، وهو من وراء عقابه . فأما من كتبت له أن يؤمن به منهم فإني سأتوب عليه . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وإن كذبوك يا محمد هؤلاء المشركون وردوا عليك ما جئتهم به من عند ربك ، فقل لهم : أيها القوم لي ديني وعملي ولكم دينكم وعملكم ، لا يضرني عملكم ولا يضركم عملي ، وإنما يجازي كل عامل عمله . أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ لا تؤاخذون بجريرته ، وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ لا أؤاخذ بجريرة عملكم . وهذا كما قال جل ثناؤه : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ وقيل : إن هذه الآية منسوخة ، نسخها الجهاد والأَمر بالقتال . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ الآية ، قال : أمره بهذا ثم نسخه ، وأمره بجهادهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ومن هؤلاء المشركين من يستمعون إلى قولك . أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ يقول : أفأنت تخلق لهم السمع ولو كانوا لا سمع لهم يعقلون به ، أم أنا ؟ وإنما هذا إعلام من الله عباده أن التوفيق للإِيمان به بيده لا إلى أحد سواه ، يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : كما أنك لا تقدر أن تسمع يا محمد من سلبته السمع ، فكذلك لا تقدر أن تفهم أمري ونهيي قلبا سلبته فهم ذلك ، لأَني ختمت عليه أنه لا يؤمن . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي يقول تعالى ذكره : ومن هؤلاء المشركين ، مشركي قومك ، من ينظر إليك