محمد بن جرير الطبري
84
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يا محمد ويرى أعلامك وحججك على نبوتك ، ولكن الله قد سلبه التوفيق فلا يهتدي ، ولا تقدر أن تهديه ، كما لا تقدر أن تحدث للأَعمى بصرا يهتدي به . أَ فَأَنْتَ تَهْدِي يقول : أفأنت يا محمد تحدث لهؤلاء الذين ينظرون إليك وإلى أدلتك وحججك فلا يوفقون للتصديق بك أبصارا لو كانوا عميا يهتدون بها ويبصرون ؟ فكما أنك لا تطيق ذلك ولا تقدر عليه ولا غيرك ، ولا يقدر عليه أحد سواي ، فكذلك لا تقدر على أن تبصرهم سبيل الرشاد ، أنت ولا أحد غيري ، لأَن ذلك بيدي وإلي . وهذا من الله تعالى ذكره تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم عن جماعة ممن كفر به من قومه وأدبر عنه فكذب ، وتعزية له عنهم ، وأمر برفع طمعه من إنابتهم إلى الإِيمان بالله . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ يقول تعالى ذكره : إن الله لا يفعل بخلقه ما لا يستحقون منه ، لا يعاقبهم إلا بمعصيتهم إياه ، ولا يعذبهم إلا بكفرهم به ؛ وَلكِنَّ النَّاسَ يقول : ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم باحترامهم ما يورثها غضب الله وسخطه . وإنما هذا إعلام من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به ، أنه لم يسلب هؤلاء الذين أخبر جل ثناؤه عنهم أنهم لا يؤمنون الإِيمان ابتداء منه بغير جرم سلف منهم ، وإخبار أنه إنما سلبهم ذلك باستحقاق منهم سلبه لذنوب اكتسبوها ، فحق عليهم قول ربهم ، وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ يقول تعالى ذكره : ويوم نحشر هؤلاء المشركين فنجمعهم في موقف الحساب ، كأنهم كانوا قبل ذلك لم يلبثوا إلا ساعة من نهار يتعارفون فيما بينهم ، ثم انقطعت المعرفة وانقضت تلك الساعة . يقول الله : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ قد غبن الذين جحدوا ثواب الله وعقابه وحظوظهم من الخير وهلكوا . وَما كانُوا مُهْتَدِينَ يقول : وما كانوا موفقين لإِصابة الرشد مما فعلوا من تكذيبهم بلقاء الله لأَنه أكسبهم ذلك ما لا قبل لهم به من عذاب الله . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ يقول تعالى ذكره : وإما نرينك يا محمد في حياتك بعض الذي نعد هؤلاء المشركين من قومك من العذاب ، أو نتوفينك قبل أن نريك ذلك فيهم . فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ يقول : فصيرهم بكل حال إلينا ومنقلبهم . ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ يقول جل ثناؤه ثم أنا شاهد على أفعالهم التي كانوا يفعلونها في الدنيا ، وأنا عالم بها لا يخفى علي شيء منها ، وأنا مجازيهم بها عند مصيرهم إلي ومرجعهم جزاءهم الذي يستحقونه . كما : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب في حياتك ، أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل ، فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نحوه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . القول في تأويل قوله تعالى : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ يقول تعالى ذكره : ولكل أمة خلت قبلكم أيها الناس رسول أرسلته إليهم ، كما أرسلت محمدا إليكم يدعون من أرسلتهم إليهم إلى دين الله وطاعته . فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ يعني ، في الآخرة ؛ كما حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني