محمد بن جرير الطبري
70
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يقول تعالى ذكره : ويقول هؤلاء المشركون : هلا أنزل على محمد آية من ربه يقول : علم ودليل نعلم به أن محمدا محق فيما يقول . قال الله له : فقل يا محمد إنما الغيب لله ، أي لا يعلم أحد بفعل ذلك إلا هو جل ثناؤه ، لأَنه لا يعلم الغيب وهو السر والخفي من الأَمور إلا الله ، فانتظروا أيها القوم قضاء الله بيننا بتعجيل عقوبته للمبطل منا وإظهاره المحق عليه ، إني معكم ممن ينتظر ذلك . ففعل ذلك جل ثناؤه فقضى بينهم وبينه بأن قتلهم يوم بدر بالسيف . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ . . . إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ يقول تعالى ذكره : وإذا رزقنا المشركين بالله فرجا بعد كرب ورخاء بعد شدة أصابتهم . وقيل : عنى به المطر بعد القحط ، والضراء : وهي الشدة ، والرحمة : هي الفرج . يقول : إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا استهزاء وتكذيب . كما : حدثنا المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قال : استهزاء وتكذيب . قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . وقوله : قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً يقول تعالى ذكره : قل لهؤلاء المشركين المستهزئين من حججنا وأدلتنا يا محمد : الله أسرع مكرا ، أي أسرع محالا بكم واستدراجا لكم وعقوبة منكم من المكر في آيات الله . والعرب تكتفي ب " إذا " من " فعلت " و " فعلوا " ، فلذلك حذف الفعل معها . وإنما معنى الكلام : وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم مكروا في آياتنا ، فاكتفى من " مكروا " ، ب " إذا لهم مكر " . إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ يقول : إن حفظتنا الذين نرسلهم إليكم أيها الناس يكتبون عليكم ما تمكرون في آياتنا . القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ يقول تعالى ذكره : الله الذي يسيركم أيها الناس في البر على الظهر وفي البحر في الفلك ؛ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وهي السفن ، وَجَرَيْنَ بِهِمْ يعني : وجرت الفلك بالناس ، بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ في البحر ، وَفَرِحُوا بِها يعني : وفرح ركبان الفلك بالريح الطيبة التي يسيرون بها . والهاء في قوله : " بها " عائدة على الريح الطيبة . جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ يقول : جاءت الفلك ريح عاصف ، وهي الشديدة ، والعرب تقول : ريح عاصف وعاصفة ، وقد أعصفت الريح وعصفت وأعصفت في بني أسد فيما ذكر ، قال بعض بني دبير : حتى إذا أعصفت ريح مزعزعة * فيها قطار ورعد صوته زجل وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ يقول تعالى ذكره : وجاء ركبان السفينة الموج من كل مكان . وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ يقول : وظنوا أن الهلاك قد أحاط بهم وأحدق . دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يقول : أخلصوا الدعاء لله هنا لك دون أوثانهم وآلهتهم ، وكان مفزعهم حينئذ إلى الله دونها . كما : حدثنا محمد بن عبد الأَعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ قال : إذا مسهم الضر في البحر أخلصوا له الدعاء . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن الأَعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة ، في قوله : مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ هيا شرا هيا ، تفسيره : يا حي يا قوم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً