محمد بن جرير الطبري
71
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إلى آخر الآية ، قال : هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون ، فإذا كان الضر لم يدعو إلا الله ، فإذا نجاهم إذا هم يشركون لئن أنجيتنا من هذه الشدة التي نحن فيها لنكونن من الشاكرين لك على نعمك وتخليصك إيانا مما نحن فيه بإخلاصنا العبادة لك وإفراد الطاعة دون الآلهة والأَنداد . واختلفت القراء في قراءة قوله : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ من السير بالسين . وقرأ ذلك أبو جعفر القاري : " هو الذي ينشركم " من النشر ، وذلك البسط ؛ من قول القائل : نشرت الثوب ، وذلك بسطه ونشره من طيه . فوجه أبو جعفر معنى ذلك إلى أن الله يبعث عبادة ، فيبسطهم برا وبحرا ، وهو قريب المعنى من التسيير . وقال : وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وقال في موضع آخر : فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ . فوحد ، والفلك : اسم للواحدة والجماع ويذكر ويؤنث . قال : وَجَرَيْنَ بِهِمْ وقد قال : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فخاطب ثم عاد إلى الخبر عن الغائب ؛ وقد بينت ذلك في غير موضع من الكتاب بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وجواب قوله : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وأما جواب قوله : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ف دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ يقول تعالى ذكره : فلما أنجى الله هؤلاء الذين ظنوا في البحر أنهم أحيط بهم من الجهد الذي كانوا فيه ، أخلفوا الله ما وعدوه ، وبغوا في الأَرض ، فتجاوزوا فيها إلى غير ما أذن الله لهم فيه من الكفر به والعمل بمعاصيه على ظهرها . يقول الله : يا أيها الناس إنما اعتداؤكم الذي تعتدونه على أنفسكم وإياها تظلمون ، وهذا الذي أنتم فيه مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا يقول : ذلك بلاغ تبلغون به في عاجل دنياكم . وعلى هذا التأويل ، البغي يكون مرفوعا بالعائد من ذكره في قوله : عَلى أَنْفُسِكُمْ ويكون قوله : " متاع الحياة الدنيا " مرفوعا على معنى : ذلك متاع الحياة الدنيا ، كما قال : لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ بمعنى : هذا بلاغ ، وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك : إنما بغيكم في الحياة الدنيا على أنفسكم ، لأَنكم بكفركم تكسبونها غضب الله ، متاع الحياة الدنيا ، كأنه قال : إنما بغيكم متاع الحياة الدنيا ، فيكون " البغي " مرفوعا بالمتاع ، و " على أنفسكم " من صلة " البغي " . وبرفع " ال متاع " قرأت القراء سوى عبد الله بن أبي إسحاق فإنه نصبه بمعنى : إنما بغيكم على أنفسكم متاعا في الحياة الدنيا ، فجعل ، " البغي " مرفوعا بقوله : عَلى أَنْفُسِكُمْ والمتاع منصوبا على الحال . وقوله : ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ يقول : ثم إلينا بعد ذلك معادكم ومصيركم ، وذلك بعد الممات . فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يقول : فنخبركم يوم القيامة بما كنتم تعملون في الدنيا من معاصي الله ، ونجازيكم على أعمالكم التي سلفت منكم في الدنيا . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ . . . فَجَعَلْناها حَصِيداً يقول تعالى ذكره : إنما مثل ما تباهون في الدنيا وتفاخرون به من زينتها وأموالها مع ما قد وكل بذلك من التكدير والتنغيص وزواله بالفناء والموت ، كمثل ماء أنزلناه من السماء يقول : كمطر أرسلناه من السماء إلى الأَرض ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ يقول : فنبت بذلك المطر أنواع من النبات مختلط بعضها ببعض . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس ، قوله : إِنَّما مَثَلُ