محمد بن جرير الطبري
60
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وقد بينت فيما مضى من نظائر ذلك أن كل موصوف بصفة نزل الموصوف على صفته ، وصفته عليه ، فالقارئ مخير في القراءة في ذلك ؛ وذلك نظير هذا الحرف : قال الكافرون إن هذا لسحر مبين و " لساحر مبين " وذلك أنهم إنما وصفوه بأنه ساحر ، ووصفهم ما جاءهم به أنه سحر يدل على أنهم قد وصفوه بالسحر . وإذا كان ذلك كذلك فسواء بأي ذلك قرأ القارئ لاتفاق معنى القراءتين . وفي الكلام محذوف استغني بدلالة ما ذكر عما ترك ذكره وهو : فلما بشرهم وأنذرهم وتلا عليهم الوحي ، قال الكافرون إن هذا الذي جاءنا به لسحر مبين . فتأويل الكلام إذا : أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم ، أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ، فلما آتاهم بوحي الله وتلاه عليهم ، قال المنكرون توحيد الله ورسالة رسوله : إن هذا الذي جاءنا به محمد لسحر مبين ؛ أي يبين لكم عنه أنه مبطل فيما يدعيه . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ . . . ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يقول تعالى ذكره : إن ربكم الذي له عبادة كل شيء ، ولا تنبغي العبادة إلا له ، هو الذي خلق السماوات السبع والأَرضين السبع في ستة أيام ، وانفرد بخلقها بغير شريك ولا ظهير . ثم استوى على عرشه مدبرا للأَمور وقاضيا في خلقه ما أحب ، لا يضاده في قضائه أحد ولا يتعقب تدبيره متعقب ولا يدخل أموره خلل . ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ يقول : لا يشفع عنده شافع يوم القيامة في أحد إلا من بعد أن يأذن في الشفاعة . ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يقول جل جلاله : هذا الذي هذه صفته سيدكم ومولاكم لا من لا يسمع ، ولا يبصر ، ولا يدبر ، ولا يقضي من الآلهة والأَوثان . فَاعْبُدُوهُ يقول : فاعبدوا ربكم الذي هذه صفته ، وأخلصوا له العبادة ، وأفردوا له الألوهة والربوبية بالذلة منكم له دون أوثانكم وسائر ما تشركون معه في العبادة . أَ فَلا تَذَكَّرُونَ يقول : أفلا تتعظون وتعتبرون بهذه الآيات والحجج ، فتنيبون إلى الإِذعان بتوحيد ربكم وإفراده بالعبادة ، وتجمعون الأَنداد وتبرءون منها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ قال : يقضيه وحده . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الأَعلى ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ قال : يقضيه وحده . حدثني المثني قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ قال : يقضيه وحده . قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . القول في تأويل قوله تعالى : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ . . . وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ يقول تعالى ذكره : إلى ربكم الذي صفته ما وصف جل ثناؤه في الآية قبل هذه معادكم أيها الناس يوم القيامة جميعا . وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا فأخرج " وعد الله " مصدرا من قوله : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ لأَن فيه معنى الوعد ، ومعناه : يعدكم الله أن يحييكم بعد مماتكم وعدا حقا ، فلذلك نصب وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ يقول تعالى ذكره : إن ربكم يبدأ إنشاء الخلق وإحداثه وإيجاده ثم يعيده ، فيوجده حيا كهيئته يوم ابتدأه بعد فنائه وبلائه . كما : حدثني محمد